اسم الكتاب:..... Where the Wild Things Were
المؤلف: ..................William Stolzenburg
الناشر:....................... Bloomsbury USA
يتناول هذا الكتاب الحياة البرية وضرورة المحافظة عليها، ويطرح في تناوله للموضوع نظرة شاملة للطبيعة من منظور جديد ينادي بالإبقاء والمحافظة على كل الكائنات الحية مهما كان حجمها، كما ينتقد الاتجاه إلى القضاء على الحيوانات البرية خوفا من شرها، وينادي بحمايتها لأن لها دورا كبيرا في الحفاظ على التوازن البيئي. وقد يتساءل البعض: ما أهمية وجود حيوانات مثل النمر والذئب وغيرهما من الحيوانات المفترسة في الكون من حولنا؟ ويرى الكثيرون أن تلك الكائنات ما هي إلا مصدر رعب وفزع، مما يوجب التخلص منها ومحوها من الوجود. ويعبر الكتاب عن دراما الحياة التي نعيشها، ولكنه في الوقت نفسه يستعرض موضوعه بمنهج علمي، ويورد اتجاهات علماء الأحياء وأفكارهم التي تجعل هذا الكتاب أكثر جاذبية. فالكتاب في مضمونه نتاج عقل أحد العلماء، غير أنه مزين بقالب نثري رومانسي يقدم إلى قراء الكتاب فصائل من الحيوانات لم يسمعوا عنها من قبل، كما يمنحهم دراية أعظم وتقديرا أكبر لتعقد العالم من حولنا.
ففي هذا الكتاب الذي يحكي تاريخ الطبيعة من حولنا، يصف المؤلف كيف أن مجموعة من علماء الطبيعة حطموا النظرية القائلة ان الحيوانات المفترسة خطر على الحياة، وأثبتوا أن العالم بدون الحيوانات المفترسة هو حقا عالم أكثر رعبا. ويري العديد من النقاد أن هذا الكتاب من أكثر الكتب جاذبية وأجملها أسلوبا، كما يرون أنه كتاب رائع يناسب المهتمين بالطبيعة، وكل من أراد أن يكتسب فهما أفضل لأهمية الحياة البرية، بقصصه التي تتميز بالحيوية، وتجعل القارئ يتنقل بين الغموض والفلسفة وتاريخ التصنيف الحيواني وعلاقتنا بالحيوانات بصفتها تشاركنا في حياتنا على كوكب الأرض، كل هذا يقدمه الكتاب للقارئ فيما يبدو أنه قصيدة تأملية تقدم في صورة لغز. وبينما يتساءل المتشككون عما إذا كان لدينا القدرة على تحمل الحيوانات المفترسة في حياتنا، يقدم المؤلف تساؤلا أعمق وهو: هل لدينا القدرة على العيش بدونها؟
ومن التساؤلات الأخرى التي يطرحها المؤلف لتقديم أفكاره: كيف يؤثر اختفاء الكائنات المفترسة في النظام البيئي من حولنا؟ ويضرب عدة أمثلة على هذا الاختفاء، ومنها اختفاء الذئب من أمريكا منذ عهد قريب، بعد أن كانت الذئاب تهيم فيها من الساحل للساحل. وقد حذر أحد علماء البيئة القدامى من وجود تداعيات بيئية كبيرة بسبب قتل تلك الكائنات، حيث احتشدت الغزلان والظباء في أعداد كبيرة مشكلة مخاطر بالغة.
وفي عصرنا هذا يكرر بعض العلماء مقولة ذلك العالم، ولديهم البيانات والإحصائيات التي تؤكد صحة ذلك، وأسوأ ما في هذه البيانات التي جمعوها من الحدائق العامة وغيرها أن أنواعا كثيرة من الأزهار اختفت بتأثير أنواع عديدة من الكائنات الحية في خلال الخمسين عاما الماضية، كما أن أنواعا كثيرة من أشجار الأخشاب القيمة لم تعد منتجة كما في السابق بسبب تناول الغزلان لها قبل نضجها. وبصورة عامة أصاب التدمير الكثير من البساتين بسبب الغزلان، وأدى ذلك بدوره إلى اختفاء العديد من أنواع الطيور والأسماك والضفادع والفراشات، وظهرت أمراض جديدة بسبب انتشار الغزلان، إضافة إلى الحوادث المرورية التي تتسبب في حدوثها الغزلان كل عام، وكثرة أعداد الضحايا بسبب اعتراضها للطريق. فهل نبعت كل هذه الأحداث من جراء اختفاء الذئاب أو الأسود أو غيرها من الحيوانات المفترسة؟ هذا الافتراض يركز عليه المؤلف على الرغم من أن الكثيرين من العلماء لا يسلمون به.
ومما دعا المؤلف إلى التفكير بهذه الطريقة، وتوجيه انتباه القراء إلى ذلك الاتجاه، أن مذهب المحافظين يركز على عدم انتهاك البيئة، بما يتضمن عدم قطع الأشجار، وعدم تلويث البحار والمحيطات. ومن هنا نبعت فكرة المؤلف التي تنادي ببدء الحفاظ على البيئة من نفس المنطلق، إذ إن الإخلال بتوازنها يكون سببه غياب نوع من أنواع الحيوانات المهمة التي تمثل حجر الزاوية في الطبيعة. وهكذا يتتبع المؤلف الضرر الذي يلحق بالكون نتيجة مثل هذا الاختلال في سلسلة الغذاء المتعارف عليها، مستعينا بالكثير من أبحاث وإحصائيات العلماء الذين يشاركونه الاعتقاد نفسه، وضرورة الانتباه إلى أن الكائنات المعروفة بقوتها هي تلك الحيوانات التي تتميز بضخامة اجسامها، وأنها في الواقع حيوانات نادرة.
ومن التساؤلات المهمة التي يطرحها المؤلف: لماذا ينبغي على الناس الاعتناء بتنوع الكائنات الحية وتأكيد التوازن بين الأنظمة البيئية المختلفة؟ فالناس قد يقتنعون بمبدأ النفعية التي تبرر قتل الحيوانات المفترسة لأسباب كثيرة منها الانتفاع بجلودها ولحومها وأسنانها، أو استخدامها في إنتاج الغذاء والدواء، ولكن من الخطأ أن نفرح بتلك المكاسب القريبة، لأن تداعياتها تأتي على المدى الطويل في أشكال عديدة قد لا نتصورها أو نقدر خطورتها. فإذا ما تأملنا جيدا في هذا الموضوع نجد أن آكلات اللحوم مثلت للإنسان الكثير من التحديات، وأوحت له بالكثير من الأفكار، وكانت السبب في أن يكون أكثر قوة وأكثر حكمة. كان ذلك في الماضي البعيد، إلا أن الأوضاع تغيرت في العشرين عاما الأخيرة، وبدأنا في عزلها ومحاولة التخلص منها بكل قوتنا، وربما لن ندرك قيمتها ولا أهمية وجودها إلا بعد فوات الأوان.
والسؤال المهم الأخير بعد الاقتناع بأهمية تلك الكائنات هو: كيف يمكن للمواطنين المساعدة على حماية تلك الأنواع من الحيوانات؟ وهنا يوضح المؤلف أن دعوته إلى حماية الحيوانات المفترسة لا يعني أن ندعو تلك الحيوانات للعيش معنا، أو نجعلها تعيش في الأماكن التي نربي فيها الأغنام والماشية والدواجن مثلا، أو نطلق سراحها في الأماكن التي نعيش فيها في المدن والقرى مثلا. ولكن هناك ضرورة لعدم النظر إلى الموضوع نظرة سطحية، فالأمر أعمق من ذلك بكثير لأنه متعلق بالبيئة وتوازنها على المدى الطويل، لذا يجب أن لا نصطادها بلا هدف مثلا، حتى لا تنقرض الأنواع النادرة منها، وأن نحافظ عليها في حالة جيدة في مجتمعاتها التي تعيش فيها، وأن نبدأ صيانتها وصيانة مجتمعاتها على الفور، وأن نضع عقوبات صارمة لكل من يفكر في الاعتداء على الحياة البرية.