هناك الكثير من الظواهر الشعرية التي مرت بتاريخ هذه المنطقة في فترات متلاحقة مما ترك أثراً مازال باقيا في تراثنا الشعبي على الرغم من عدم وجود وسائل الإعلام في ذلك الزمن، حيث كان النقل الشفهي هو الوسيلة الوحيدة في نشر وحفظ ذلك التراث.
|
ولعل من أبرز تلك الظواهر الشاعر خلف (أبو زويد السنجاري الشمري)، ذلك الشمالي الذي نثر إبداعه في القرن الماضي، ومع أن شهرته كانت محصورة لدى بادية الشمال آنذاك إلا أنه سجل حضورا مميزا في تلك الحقبة وأصبحت قصائده تتلقفها الألسن وتسير بها الركبان، وبالإضافة إلى شاعريته الفذة فهو يحظى بقبول خاص لدى الكثير من أفراد وشيوخ تلك المنطقة.
|
المحرر - ما ورد أعلاه كان مقدمة للجزء الأول من الدراسة التي قام بها الأستاذ صالح المرزوقي (ظواهر شعرية في الذاكرة الشعبية) واستكمالاً لما نشر ها هو الجزء الثاني منها على أن يليه الجزء الثالث والأخير في وقت لاحق.
|
ومن المفارقات العجيبة أن (أبو زويد) يحظى بقبول خاص لدى النساء مع ما ذكرناه في الحلقة السابقة من وصفٍ لشخصه الذي لا يوحي بذلك ولكن يبدو أن شهرته التي تسبقه دائماً هي السبب في الحظوة التي يجدها لدى النساء، ففي أحد الأيام كان عند صديقه (فهد بن هذال) من شيوخ عنزة وحصل خلاف بين فهد وزوجته نورة بنت ابن مهيد حيث ذهبت إلى أهلها ولما علم أبو زويد بذلك ذهب إليها وطلب منها العودة بعد أن أسمعها قصيدته التي قال فيها:
|
يا راكب اللي ما ركب مثله اركاب |
طويلة السمحوق مثل الزرافة |
مالوده عند الشرارات باضراب |
وأبوه من التيه الوحايش حيافة |
|
إلى ركبها الشيخ والغزو كساب |
وحكو بمرواح الأهل والكيافه |
والشيخ يلفي عند وضاح الأنياب |
عند الهنوف التي تلاعج أرهافه |
بنت الشيوخ اللي خواله له أنساب |
عطوه نوره من صخاهم مرافه |
ماشفت مثله عند قوم ولا اصحاب |
الا ولا حي مع الناس شافه |
بعدها عادت لزوجها تقديراً لموقف بو زويد ومجيئه لهم.
|
وبالرغم من أن حضور (أبو زويّد) في مجال الغزل قليل جداً إلا أنه كان حضوراً عاصفاً ومدوياً فهذه إحدى بنات شيوخ شمر والتي تتمتع بقدر وافر من الجمال تبحث عن (أبو زويد) حتى وجدته في أحد المواقع، وبعد أن تحدثت معه ولاطفته تقول لمن كان معها (تقولون إن أبو زويد لا يتغزل بالنساء لن يبرح مكانه قبل أن يقول قصيدة يتردد صداها بين الجميع)، وقد كسبت الرهان حيث قال فيها قصيدته المشهورة والتي تناقلها الرواة:
|
القلب يبرم بالهواجيس ويدير |
من واحد جتنا طوارف طروشه |
قال الفهيم يصخر القيل تصخير |
قرايض ماهي جمايع دحوشه |
والله يا لولا باقي الناس لاشير |
وخاف من ناسٍ تنثر قشوشه |
لاقول عجّوا بالبني الغنادير |
ياويل من له عشقه ما يحوشه |
الردف شط متيه له على ضير |
أمه جضوض وراعيه ماينوشه |
ولا فيشدي نابيات الحمارير |
غب الشمال وكارباته رشوشه |
|
خده من الموت الحمر به دواوير |
كن الصعاوي دوّجن في نقوشه |
أصفر عفر دوب الحمر فيه تذكير |
جميع مصقول بضولات هوشه |
وقد انتشرت القصيدة انتشار النار في الهشيم لدى بادية الشمال مما حدا بمكيدة بنت جمعان الغيثي أن تقول (كيف يقول أبو زويد تلك القصيدة بفلانة وأنا أجمل منها، لإن وجدته لن أتركه حتى يقول قصيدة تنسي الجميع تلك القصيدة)، وبدأت تبحث عنه حتى وجدته في أحد أيام عيد الأضحى، حيث كانت شمر تقطن على (اللميما) ولم تكن مكيدة تعرف (أبو زويد) واستنجدت بأحد الأفراد ليدلها عليه، وفعلاً أشار لها بوجوده مع أغنامه على الماء فذهبت وسلمت عليه وتحدثت معه مبدية إعجابها به وبقصائده وكانت على قدر وافر من الجمال والفتنة، وبعد مغادرتها للموقع بادره ذلك الشخص الذي كان قريباً من الحدث إن كان يعرف تلك الفتاة فأجاب أبو زويد بالنفي، وكان متشوقاً لمعرفتها فقال له ذلك الشخص هذه (مكيدة بنت جمعان)، فسأله أبو زويد إن كانت متزوجة فأجابه الشخص بأنها لم تتزوج بعد وكانت قد بهرت (أبو زويد) بجمالها عندها قال أبو زويد:
|
يا راكب اللي تقل تدرا من أيده |
حمرا على السندا ضروم بشوعي |
حمرا تدني للسهال البعيدة |
عمال مامرت عليها القطوعي |
عليه من يوصل سلامي مكيدة |
غلاه خلا بالضماير مزوعي |
كل نهار العيد عايد وديده |
ونا نهار العيد عيدي دموعي |
لا واهني اهل القلوب البليده |
ما جربوا حب امهات الردوعي |
جو جمع من كل سموا بديده |
جان البلا من ذيهبان النجوعي |
الراس ذيل اللي تلوج بحديده |
شقرا ترادي من هواها الفزوعي |
والبطن يا فجة حرير جديده |
ضامر ولا صيد اريش العين جوعي |
وهناك أيضا قصيدة قالها عندما شاهد (ترفة الفلاح) حيث قال متغزلاً:
|
يا راكب اللي كن مشيه يضدي |
محاقبه من سوجهن للحقب بيض |
حمرا حزير منوه اللي يمدي |
اسجله منوه مقضي الاغاريض |
تلفي عتيقٍ لا نخيته يسدي |
قرم يبيع الروح بأدنى المعاريض |
قل يا بعد عمي وخالي وجدي |
واللي غدا يا القرم فيك المعاويض |
ابي عليك ابدي خفيّات سدّي |
يا القرم يا زين النبا والتقاريض |
عتيق واجرحي بري واستردّي |
من زغزغي نقض الجرح تنقيض |
|
صالح عبدالكريم المرزوقي - عنيزة |
|