قرأت على عجل تعقيب الأخت عالية آل عبدالكريم، يوم السبت 12 - 11 - 1430هـ على مقالي التعقيبي حول الإغراق في متابعة الأخبار، ولعل ما كتبته سابقاً كان واضحاً، لأني نقلت هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو رجل المعركة الأول مع الأعداء، وأن هديه في عدم الانشغال بنقل الأخبار، والتثبت من صحتها عملاً بقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، ولا أفسق اليوم من كثيرٍ من القنوات والإذاعات والمواقع الإلكترونية، فكان هديه عدم الانشغال بنقل الأخبار وترويجها، تطبيقاً لقوله تعالى:(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمن أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) (النساء:83) وأن المنهج الحق هو في إبعاد النساء عن الخوض في الحروب والفتن قولاً وعملاً ومتابعة وكتابة، ولذا ندمت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - وهي المرجع في الفتوى والعلم، مع ما لها من المكانة والمنزلة، ندمت لما خرجت مع الصحابة إلى العراق للمشاركة في جمع الكلمة فكانت وقعة الجمل، وكانت إذا ذكرت يوم الجمل تبكي حتى تبل خمارها، وتقول لابن عمر: يا أبا عبدالرحمن، ما منعك أن تنهاني عن مسيري.. إلخ (ينظر سير أعلام النبلاء للذهبي).
وتقول أيضاً: إني أحدثت بعد رسول الله حدثاً - رضي الله عنها وعفا - .
كما أن قول الأخت عالية: إن القول بتجنيب النساء والشباب والصغار وفتح أعينهم.. حجة مردودة، فقولك هو المردود بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، عندما رد ابن عمر، سمرة بن جندب عن غزوة أحد، وهو مبسوط في تعقيب على العشماوي - حفظه الله - فلا داعي لإعادته هنا.
وليعلم أن العبرة بحال الناس اليوم مع متابعة الأخبار، فإن العبرة بالحال كما أن العبرة بالعموم، ولا عبرة بالنادر من الناس، فإن النادر لا حكم له ولا يقاس عليه، وعامة الناس اليوم تضرروا ولم ينتفعوا، والمنفعة إن وجدت فهي ضعيفة جداً، بالنسبة للمفاسد الغالبة، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ونحن مسؤولون عن أنفسنا قبل أن نسأل عن غيرنا من المسلمين أياً كانوا، نعم لقد تضرر كثير من الشباب والنساء، وتغيرت أخلاق بعضهم، وضاعت أوقاتهم، وانحرف بعضهم، إما إلى إفراط أو تفريط، وهذه حقيقة وقفت عليها في مجالي الدعوي داخل المملكة وخارجها، فلقد ذكر لي الأخ الدكتور فرحان الشمري، رئيس جمعية إحياء التراث الإسلامي فرع الجهراء بالكويت، ليلة الجمعة الماضية بعد أن طرحت هذا الموضوع في أحد اللقاءات بالكويت، ذكر ليّ: أن شاباً جاء إليه بظرف مغلق أرسله أحد الشباب المتحمسين للجهاد، يقول: ففتحته، فإذا امرأة عارية تماماً يسحبها جندي أمريكي بشعر رأسها، يقول والقول للدكتور فرحان: حقيقة تألمت، ثم سارعت وقلت: واعجباً كيف يحل لهم النظر إلى العورات...إلخ
ثم يقول: وثبت بعد ذلك أن الصورة مدبلجة وليست حقيقة لأن في الصورة جبالاً خضراء ومناظر ليست في سجن أبو غريب، ولا حتى في العراق أصلاً. انتهى
إن سبب وقوع كثيرٍ من التكفيريين اليوم في فتنة التكفير إنما هو من متابعة مثل هذه المناظر والصور، حيث أشغلتهم عن العلم والقرآن، بل ذكر لي غير واحد من الشباب أنهم انحرفوا إلى متابعة الفاحشة والرذيلة، والنواة متابعة الأخبار، أما الدعاء الصادق لإخواننا، فلا يلزم منه متابعة أخبارهم أو أحوالهم، فنحن اليوم ندعو بقلب حاضر ولسان صادق لإخواننا الموتى أن يرحمهم الله، ونحن لا نعرف أخبارهم، ولا نرى أحوالهم، ولا نسمع أصواتهم، أفي نعيم، أم جحيم، ونردد الدعاء لهم في الصلوات والخلوات، والقنوت في رمضان أن يغسلهم الله بالماء والثلج والبرد، بل وندعو لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان عبر قرون ماضية: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْايمَانِ....) (الحشر:10)، بل والله وتالله أن كثيراً من الشيوخ والعجائز أحسن منا دعاءً للمستضعفين والمنكوبين في الأقصى وغيره، والسبب أنهم لا يسهرون على متابعة الأخبار، بل يرقدون، من أجل الدعاء آخر الليل، أما نحن فلسنا كذلك وللأسف الشديد.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شغله الشاغل الأقصى، ولم يذكره على منبره يوم الجمعة، ولم يشغل أصحابه به، فضلاً عن أشغال النساء والأولاد.
ولم يكن يتمنى أن يصلي فيه وأصحابه بعد الهجرة، مع أنه كان في حوزة النصارى، ولم تكن وصيته الأقصى، وإنما كان همه غرس العقيدة، ونشر الفضيلة، ومعالجة أخطاء أصحابه، والكلام يطول، وأخيراً أدعو الأخت عالية ومن نظر في كلامي من النساء، أن يقتدين بعائشة أم المؤمنين، عندما ندمت على دخولها فيما هو من اختصاص أهل الاختصاص، ولعل من أهل الاختصاص في متابعة الأخبار، القادة والوزراء، وعلماء الشريعة والخبراء، ورجال الإعلام والصحافة، والدعاة ورجال الفكر وكل من يذب عن الأمة قولاً وكتابة.
فهد بن سليمان بن عبدالله التويجري - مدير إدارة الأوقاف بمحافظة المجمعة
فاكس: 3230324 - 06