كتب - عبد العزيز المتعب :
الإشكاليات التي يعاني منها الشعر في الساحة الشعبية حلولها بأيدي أبناء الساحة الحقيقيين المخلصين النزيهين (دون تزكية على الله لأحد)، ولكن بالدليل القاطع الذي هو إما حجة للشاعر أو عليه؛ وبالتالي فإن المُمضّ منذ سنوات وما زال هو داء الأمسيات والجدل الذي يدور حولها. وبعيداً عن التنظير نلج إلى التقييم الموضوعي، ونضع النقاط على الحروف، وننقل بحيادية لكم تقييم الآخرين عبر آرائهم التي ندوِّنها لكم هنا:
التقييم الأدبي: (من منظور نقدي) يرى البعض أن هناك تخبطاً في معايير اختيار الشعراء، وعليه يُقدِّم من ينظِّم الأمسية - أياً كانت الجهة المنظمة - شاعراً مبتدئاً في طور التكوين من حيث إنتاجه، فلا فكرة ناضجة، ولا ترابط في الوحدة العضوية للمعنى، ولا مقدرة على الغوص في تداعيات ما يود الحديث عنه في سياق نصه، ولا يستطيع كما يقول المثل (الجود من الموجود، وفاقد الشيء لا يعطيه)، ولا مخزون لغوياً ثرياً في اختيار المفردات يستطيع من خلاله توظيف حسه الانتقائي في اختياره لها، ولا مران دقيقاً بلاغياً يستطيع من خلاله أن يبهر المتلقي أو المستمع (من خلال بضاعته المزجاة)، ولا منهجية في كتابة القصيدة حتى في البيت الواحد وليس القصيدة بأكملها (تجد أن شطر البيت حداثي، وعجز البيت كلاسيكي).. وقس على هذا التخبط الواضح للعيان الذي نشاهده ونسمعه بشكل يوثق إحراج الموقف وإدانته تماماً. وفي هذا التصرف حُكْم مبكر على المواهب التي لم تنضج بعد بالقتل والنهاية عند المتابع الذي لا ينسى للسيئ من الشعر اصطدامه بذائقته وبالتالي إلغاءه منها.
فلماذا كل هذا؟ في المقابل أيضا يؤتى بشاعر متكرر، ممل، غير متجدد في حضوره التراكمي في جانب ما يقدمه للناس من شعر عبر وسائل الإعلام، التي قدم ويقدم نفسه لهم من خلالها، ولا يشفع له باختياره إلاّ إما مصلحة تربطه بمنظم الأمسية (شدلي وأقطع لك)، أو توظيف لاعتبارات لا تليق بمكانة الشعر ورفعة شأنه وحيادية مَنْ يفترض أن يقوموا على تنظيم (أكثر الأمسيات هنا وهناك)، كقرابة أو عنصرية، (ولكن عين الرقيب ترى)، وعين الناقد ترى، وعين الحيادي المتابع المنصف ترى، والوعي (وهو مصل علاج مضاد قوي لفيروس الأمسيات متوافر في كل زمان ومكان).
فإذا كانت (هذه هي الحال) فإننا ندونها وننقلها لمعانقة الغيورين المحبين لتراثهم والمهتمين به (ومن بأيديهم) معالجة ما اعوج من حال الشعر بفعل من ينتسبون إلى الشعر أياً كانت أهدافهم..!!
التقييم الاجتماعي: أكثر الأمسيات الشعبية غائبة تماماً عن هموم المجتمع؛ فكم من معضلات ناقشتها صحافتنا المحلية الأمينة في التعرُّف على الحقائق ورصد ما اعوج وعلاجه في كل المجالات، وكان الأحرى بالشعراء بحكم شفافيتهم المفترضة .. والمنتظرة..!! طرحها حتى يشعر المتلقي على الأقل بوعي الشاعر ومواكبته لمجتمعه، ونرتقي لذائقة من لا يعترف بالشعر الشعبي متذرعاً بسطحية فكر شعرائه ومحدودية عمقهم وثقافتهم.. أمّا وقد أصرّ بعض منظمي هذه الأمسيات على هذه الآلية تضامناً مع المثل الشعبي (تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي) فإننا نكتفي برصد العلة إرضاء لضمائرنا التي باتت تؤلمنا كلما شاهدنا من لا يخجل من إلقاء قصائد ذاتية جداً به، وخاصة، بل وفاضحة في الغزل، يفترض أنها في أوراقه الخاصة (إذا بليتم فاستتروا)، ومع هذا يلقيها في أمسية يحضرها (شيوخ، وأطفال) دون تقدير للزمان والمكان. أما موقف المنظمين في مثل هذه الحالة فهو الحرج التام أمام الإعلام والحضور، ولكنهم ماضون في فرض أسماء معينة على الأمسيات إلى أن تناط بجهة تنظيمية رسمية توقف تجاوز هؤلاء، وهذا ما نتأمله.