الكثير من الناس من إذا سمعت عنهم وجدتهم أقل مما ذكروا لك، أما أبو عبدالله حمد الغيث هو على غير ما تتصوره فهو أكبر مما تسمع عنه، وحين تراه لأول مرة تجد ذلك الشخص المحبوب المبتسم المتفائل الذي يحب للآخرين ما يحب لنفسه، يحب الآخرين ويأنس بهم ويحرص على الالتقاء بهم، فكم من إنسان سمع به وأحبه ولو لم يره،ومن الناس من لم يره إلا مرة واحدة فكان ذلك اللقاء وشيجة حب ووئام ومودة بينهما، الصغير والكبير والقريب البعيد يحبه ويوده ويألفه مصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف وخير الناس أنفعهم للناس) وما سمع به أحد إلا أحبه، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض). رواه مسلم.. وصدق الله{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}قال ابن كثير غرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، فالأطفال الصغار يتعلقون به قبل الكبار يداعبهم ويمازحهم ويلاطفهم ويرحمهم، وقد عرفت أبا عبدالله من قرب فوجدته نعم الرجل في أخلاقه ومشاعره ذا سجية غير متكلفة يأنس بالناس ويتواصل معهم ويحب لهم الخير ويحمل همومهم وآلامهم وآمالهم، يصل القريب والبعيد والصغير والكبير ويحافظ على صلة رحمه ويصبر على ذلك. عاش عصاميا مكافحا تحمل المكاره والمصاعب وابتلي عدة ابتلاءات فصبر وصابر ولسان حاله يقول: |
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى |
فما انقادت الآمال إلا لصابر |
ما عرفه أحد إلا أحبه، أحبه طلابه الذي درسهم لما أحبهم وأخلص في تعليمهم وبذل لهم نصحه وتوجيهه، ترى فيه التفاني في العمل والإخلاص والجد والاجتهاد، ولذلك غرس في نفوس طلابه محبته فكانوا يتواصلون معه حتى بعد تخرجهم فكان نعم المربي والمعلم، فرحمك الله يا أبا عبدالله. |
عرفت فيك حب المعلومة والفائدة والقراءة، وكنت تحرص على اقتناء الكتب النافعة حتى بعد مرضك فكنت أرى الكتب من حولك وأعلاها كتاب الله لا يفارقك، كنت تحب سماع القرآن الكريم وتقتني أشرطته حتى في آخر زيارة لي لك أسمعتني جملة من القراء، تستمع إليهم سماع المتدبر الواعي المنتفع فأسأل الله تعالى ألا يحرمك شفاعة القرآن. |
عرفت فيك الصبر وقوة التحمل فقد ابتلاك الله بالمرض فبقيت محتسبا صابرا، يأتيك من يزورك يحمل الشفقة عليك فيجدك أقوى ثباتا يرى الابتسامة التي بداخلها تحمل مرارة الألم، وتتقلب من شدة الألم، وتكتم آلامك لتضفي على أحبابك جوا من المرح والأنس، فلساك شاكرا ذاكرا حامدا وقلبك متفائلا.. عرفت فيك الكرم سجية بل في سنواته الأخيرة بعد مرضه لا تكاد تجده خالياً من زائر ومحب ومسلم، من زميل وصديق وطالب وقريب وجار يلقاهم بالبشر والطلاقة والابتسامة ويلح عليهم بالعشاء والطعام كرما، يفتقد الآخرين فيسأل عنهم ويتصل بهم، يعزي مصابهم ويدعو لمريضهم ويعوده. صور متعددة من الحضر والسفر وفي الشدة والرخاء وفي الصحة والمرض من الأخلاق ومعالي الأمور، يعجز اللسان عن ذكرها والقلم عن كتابتها. |
فهنيئاً لك يا أبا عبدالله ذلك الذكر الحسن، فالذكر الحسن عمر ثان للإنسان.. هنيئا لك محبة الناس وثناؤهم عليك. |
فعن أنس قال: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت) ثم مروا بأخرى فأثنوا عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض). وفي رواية: (المؤمنون شهداء الله في الأرض) وعن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة) قلنا: وثلاثة: قال: (وثلاثة). قلنا واثنان؟ قال: (واثنان) ثم لم نسأله عن الواحد. رواه البخاري. هنيئاً لك تلك الجموع وتلك الجنازة المشهودة، وتلك الدعوات الصادقة على قبرك فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له: إلا شفعوا فيه). رواه مسلم. فأسأل الله ألا يحرمك تلك الدعوات التي خرجت من قلوب المحبين لك تلك القلوب التي أحبتك فلن تنساك مهما امتدت الحياة وستكون لك وفية.. |
وليعذرني القارئ الكريم أن أمسك القلم عن الكتابة فعشرون عاماً مليئة بالمواقف العظيمة لهذا الرجل الكريم عرفته من خلالها لا يتسع لها هذا المقال. |
فأسأل الله بمنه وكرمه أن يتغمده برحمته وأن يجعل الفردوس الأعلى مثواه وأن يرفع درجاته في المهديين ويخلفه في عقبه في الغابرين ويجعله من ورثة جنة النعيم رحمه الله رحمة الأبرار وغفر له العلي الغفار وجعل ما أصابه كفارة ورفعه. وإن القلب ليحزن وأن العين لتدمع وإنا على فراقك يا أبا عبدالله لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}. |
وعزاؤنا لزوجته الصابرة أم عبدالله وبناته وابنه عبدالله ولإخوانه وأخواته ومحبيه.. رحمك الله وغفر لك.. |
|