نِعِدَّ الليالي.. والليالي تِعِدِّنا |
والعُمْر يَفْنى.. والليالي بزايد! |
راشد الخلاوي |
والبيت على الرغم من أنه مضى عليه قرونٌ تضاهي الخمسة أو تزيد إلا أنه واضح التعبير والتفسير عميق المعنى, بعيد الغاية, مُترعٌ بالحكمة, فيه توجيه من غير طلب, توجيه بوساطة الدعوة إلى التأمل وعادة ما تكون الحقائق التي نتوصل إليها بأنفسنا, أكثر عمقاً وتأثيراً في نفوسنا من تلك التي نتلقاها عن طريق الآخرين..
|
لقد عرض راشد الخلاوي المسألة هنا كما رصدتها روحه الحساسة وقريحته المرهفة وهـي ليست اكتشافاً عبقرياً جديداً بل حقيقة يعرفها الجميع, لكن الجديد فيها هو طريقة العرض المثيرة والمؤثرة معاً؛ فقد أصبح البيت مثلاً سائراً, وتعبيراً يسعف القريحة عند حلول مناسبة ذكره وهذا مظهر من مظاهر الفرق بين توجيه الشاعر وتوجيه غيره وعلاقة الإنسان العربي بالشعر علاقة خاصة؛ فهو بالنسبة له غذاء روحي لا غنى له عنه, يحتاج إليه ويتلذذ يطعمه, ويمتزج بجماله امتزاجاً يصل إلى درجة التماهي معه, وقد صدق المصطفى - عليه الصلاة والسلام - عندما قال: (إن من البيان لسحراً).
|
والليالي في البيت تعبير عن الدهر والزمان وكثيراً ما يُعبّر شعراء النبط عن هذا المعنى بهذه الكلمة لأسباب مختلفة، ليس هذا مقامها، ولعل أجمل ما في البيت زيادة على معناه العميق هو تلك الاستعارة القائمة على المشاكلة في قوله: (والليالي تعدّنا)؛ فهو تعبير مُشاكِلٌ لما قبله من حيث الصياغة, لكنها مُشاكلة مغلّفةٌ بالرعب؛ فعدُّنا للأيام عدٌّ بريء وعدُّها لنا عدّ تربّص وختل! والأيام لا تَعُدّ لكنها تُوقّت وتحدّد أيامَنا بتقدير العزيز العليم ومُضيّ الأيام وفق مسيرة الكون كأنه عدٌّ يشبه عدَّنا .
|
ثم لاحظ جمال هذا التقسيم اللذيذ المرتكز على المقابلة بين الجزأين في الشطرين:
|
نِعِدَّ الليالي.. والليالي تِعِدِّنا |
والعُمْر يَفْنى.. والليالي بزايد! |
فالناس الذين عبّر عنهم بضمير المتكلم في (نعدّ - تعدّنا) تارة وبكلمة (العمر) تارة أخرى؛ يقابلهم (الليالي). وكلمة (يفنى) يقابلها (بزايد) أي بتزايد.. والتحول من العام وهو (نحن) إلى الخاص وهو (العمر) لم يكن تحوّل اضطرار موسيقي ولا تحوّل تنويع لفظي بل هو تحوّلٌ مقصود عميق؛ فالكلمة هنا هي مدار الفكرة والركيزة التي قام عليها البيت؛ فهي الواقعة تحت دائرة الضوء وقديماً قال الحسن البصري - رحمه الله -: (يا ابن آدم , إنما أنت أيام.. كلما ذهب يومٌ ذهب بعضُك فكيف البقاء؟!).
|
|