Al Jazirah NewsPaper Wednesday  09/12/2009 G Issue 13586
الاربعاء 22 ذو الحجة 1430   العدد  13586
في وداع الرياض
طالب بن عبد الله بن طالب

 

ها هو الآن يسلك الطّريق المؤدّية إلى الحجاز.. راحلا تتلفّت عيناه ويتلفّت قلبه.. يكاد زمام مركبته أن يتخلّص منه.. ويميل إلى مركبات القادمين..

أمضى بها نيّفا وثلاثة عقود.. يتنفس هواها قبل هوائها.. ويشرب من عذب مائها.. ويبادل أسوارها حديث الغرام...

يدرك الآن أنه كان يقضي ساعتين من يومه.. ساعتين أو تزيد.. يجوب طرقاتها في قضاء شغل له.. أو تبضّع.. أو ربما مجرّد استجمام..

مرّت على ذلك سنوات.. وتبدّلت به مركبات... وهو لا يزال يسير.. كم من الساعات قضى.. وكم سيكون عزيزا عليه أن يفقد تلك المشاهد... ويودّع تلك النظرات..

يتذكّر.. أنه ربما تسلل خفية من بيته.. في ظلام ليلة زكية برائحة المطر.. وخرج وحيدا يتأمل الليل.. وقد هدأ الضجيج وخفّ الزحام.. يلج الأنفاق.. ويصعد الجسور... ويقف إلى جوار الأشجار... كان يرى أناسا تركوا بيوتهم واختاروا النوم في الخلاء.. وكان يدرك حتما أن ليس كل هؤلاء مشردين... ولكنْ فيهم عشّاق!!

(معكال) حي عتيق من أحياء العاصمة الحالمة.. كان هو أول عهده بالرياض.. ولد هنالك في زمان مضى.. ونشأ وترعرع.. ثم اختار له أبوه أن يتنقّل بين الأحياء.. كلما طاب لهم البقاء بمسكن قرّروا الرحيل إلى آخر.. كان أبوه يصنع به ذلك ليتعرف أكثر إلى حبيبته, وليكلف أكثر بالشوق إليها حين يكتب عليه الرحيل.. وهكذا كان..

عاش فيها الأفراح والأتراح... درس وتوظّف.. وأحبّ وتزوّج... وتغرّب ثُم عاد إليها محمّلا بالشوق.. تجوّل في أسواقها فتاه في أشواقها.. وارتقى في سماء ناطحاتها.. فاكتحلت عينه برؤية حلو قسماتها.. وأكل من لذيذ مطاعمها فلم يأكل ألذّ ولا أشهى..

كان يذكرها خفيفة الزّحام.. ثم أدركها وطريق العمل تأخذ من وقته ساعة.. وواجبات البيت تسرق من يومه ساعات..

الدكّان الصغير الذي كان يقف على رأس الشارع.. أغلق.. واستبدل الجيران به سوقا كبيرة يسمونها (كارفور).. ومساحات الفضاء الواسعة قامت بها أسواق تزاحم الدور.. وبقيت مشاهد من ذكرى.. ومآثر من نور.

هي الرياض.. عجيبة في صيفها الذي يجعل من زحامها طرقا خالية من البشر... ومركباتٍ سلكت كلّ السبل للظفر بموقفٍ تحت ظلّ الشجر.. وقططا اختارت أسطح السيارات مستراحا لها تزاحم على الظل.. وطيورا وقفت على النوافذ تنشد نسمة باردة من الداخل.. جاد بها تسرّب شباك أو رحمة ساكن..

وعجيبة في شتائها وقد ارتفعت روائح السّمر.. واتّقدت موائد الجمر.. وتحلّق الناس حولها متدثرين يأكلون من لذيذ أكلات يحبونها.. تبعث الدفء.. ويتبادلون أحاديث يتقنونها.. تنهش من طول الليل..

وعجيب جدا حبّ أهل الرياض للرياض.. ودوام ولعهم بها.. على الرغم من اختلاف المناخات والأحوال..

أصوات صافرات الإنذار في وقت مضى.. يبعثها غدر جار... ودويّ انفجارات لا زال صداه يرنّ.. يشعله تنكر أبناء... ومسافات طويلة من الحزن والأسى مرت بها الرياض.. وخرجت منها أكثر قوّة على الحق.. وأشدّ صلابة على الاجتماع...

يا مدينة الرياض.. واختار الله لك أميرا أميرا.. علم أنه بصلاح القلب تصلح الأعضاء فاختار لمقر حكمه قلبك النّابض... وبقي على مرّ السنين عينا ساهرة وحكمة حاضرة... ولئن أتى الله عابد بصلاته أو فقيه بمدارساته.. فليس عليه أن يأتي الله وما في يديه غير الرياض..

هل تجدون بين عواصم الدنيا كلها عاصمة لا تجد بها مزارا يعبد... أو قبرا يطاف... المحلات بها تغلق أوقات الصلوات.. والمرأة الأنثى لا تكاد تبصرها إلا من وراء حجاب..

هل تجدون بين مدن الأرض كلها مدينة بها عدد المساجد يفوق الرياض.. دروس العلم الشرعية والمواعظ.. الحلقات القرآنية ودور الذكر... وصولا إلى مراكز الاحتساب.. ودور الإفتاء والقضاء.. هل واحد من بينكم يشكّ أن الأمير يرعى ذلك كله ويتابعه باهتمام..

جلوسه للمراجعين في قصر حكمه... واستقباله لهم في بيته.. رعايته الدائمة للأيتام... وبناء المساكن للمحتاجين.. الإصلاح بين الفرقاء.. وأخذ الحق من القوي للضعيف....

أفعال وأفعال يشكرها له الله.. ويذكرها له الناس... وتتيه بها فخرا مدينة الرياض...

يا حبيبتي الرياض... بي من الشوق إليك ما لو فرّق في الشوارع لارتقى به سعف النخيل يلثم مصابح النور.... وضمّت له الأنفاق عالي الجسور... وغرقت بالدمع الأرصفة.. واغتسلت إشارات المرور..

يا حبيبتي الرياض.. يومك المطير بألف رحلة للبحث عن المطر.. وربيعك الساحر بما شاءوا من مناظر الحسن وعدوا من جنان الثمر.. ونسمة سحر من أنفاسك ليس كمثلها ولو زعموا نسمة سحر...

يا حبيبتي الرياض.. هنيئا لمن كان بأرضك مدفنه... وجاور الراحلين من أهلك مسكنه.. ومات ولا قبة تعلو جدثه أو شرك يحزنه..

يا ذكرى مدينة الرياض.. وقد صار من قدره أن يلي القضاء هناك بعيدا على شطّ البحر.. ويغادر أسوارك وبجوفه أسى كالجمر.. فإنه يأمل أن يجد لجمر جوفه من البحر رواء.. ولسيل دمعه من الذكرى دواء.. ويستودع الله أسوارك.. وأنوارك.. وأخبارك.. وأسرارك.. وأهلك الطيبين.

وفي أمان الله.

- القاضي بمحكمة جدة


Tal09@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد