أبعث بتعزية إلى أهلنا في محافظة جدة؛ فأحسن الله عزاءكم، وغفر لموتاكم، وجبر مصيبتكم، وردَّ فقيدكم، (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ)، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وقدر الله وما شاء فعل.
ثم نقول: شكر الله لولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وملك الإنسانية مبادرته المسؤولة في تقصي الحقائق خلف مأساة كارثة محافظة جدة التي رأيناها وشاهدناها بتفاصيلها، إلا أن ولي الأمر كان موقفه حازماً وواضحاً وعدلاً وصريحاً؛ ليُعلم الأمة كلها أن الحق هو طريقه ومقصده.. ومَنْ تأمل البيان الصادر منه - حفظه الله - سيجد ذلك جلياً؛ فمثلاً قوله: (واضطلاعاً بما يلزمنا واجب الأمانة والمسؤولية التي عاهدنا الله تعالى على القيام بها والحرص عليها تجاه الدِّين ثم الوطن والمواطن وكل مقيم على أرضنا، فإنه من المتعيَّن علينا شرعاً التصدي لهذا الأمر وتحديد المسؤولية فيه والمسؤولين عنه - جهات وأشخاصاً - ومحاسبة كل مقصر أو متهاون بكل حزم دون أن تأخذنا في ذلك لومة لائم تجاه من يثبت إخلاله بالأمانة، والمسؤولية الملقاة عليه والثقة المناطة به). وفي هذا السياق نقول: كثيراً ما نادى الجميع بتحقيق الوطنية في نفوس فلذات أكبادنا وصغارنا وفي مناهجنا، وتوجهنا جميعاً لنغرسها في هذه الأجيال الصغيرة، ولكن وجدنا هؤلاء الصغار مستشعرين لوطنيتهم في ولائهم لولاته وحبهم له ورفع علمه وحفظ صوره ومعالمه والافتخار به.. ونسينا أو تناسينا أو غاب عنا أن نبدأ في زراعتها من جديد في كبارنا ومسؤولينا ممن خانوا العهد مع ولاتهم وأوطانهم، وقبل ذلك مع خالقهم، ولم يكن أمامهم إلا حب المال وأنفسهم، ولم يبالوا بالوطن والمجتمع وثرواته؛ ليعلنوا في سرائرهم ويخفوا في أعمالهم وتصرفاتهم ضعف ولائهم ووطنيتهم - للأسف الشديد - فتعتصر نفوسنا وتتألم صدورنا لذلك، وتساءلت: هل من الوطنية الحقيقية والانتماء الجاد للوطن سرقة ثرواته وخيانة ولاته والتلاعب بأمواله؟! وهل من الوطنية النصب والاحتيال والجشع ولو على حساب أرواح أبناء وطنهم؟! وهل من الوطنية الهروب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الجمادات؟! أين الوطنية في حبهم لأبناء الوطن وزواره والمقيمين على أرضه وتقديم كل ما ينفعهم لا العكس؟!.. نعم إنها مأساة أن نقصر في خدمة وطننا المعطاء وطاعة ولاتنا الكرماء وخيانة شعبنا الأوفياء.
ولكن يطمئن قلبي حينما أكمل بيان خادم الحرمين الشريفين؛ فيقول حفظه الله: (ولدينا الشجاعة الكافية للإفصاح عن ذلك والتصدي له بكل حزم، فهؤلاء المواطنون والمقيمون أمانة في أعناقنا وفي ذمتنا، نقول ذلك صدقاً مع الله قبل كل شيء، ثم تقريراً للواجب الشرعي والنظامي، وتحمُّل تبعاته مستصحبين في ذلك تبرؤ النبي صلى الله عليه وسلم من صنيع بعض أصحابه فيما ندبهم إليه؛ لذا وامتثالاً لقول الله تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)).. فانظر إلى استشعار الأمانة والصدق، وهنا أجد معنى الوطنية بمفهومها الكبير والنقي يتجسَّد في كلمات بيان خادم الحرمين الشريفين؛ لنتعلم منه -حفظه الله - أن المسؤول يجب عليه التحلي بالأمانة والصدق والوفاء.
إنَّ هذا الحدث الجلل الذي وقع من جراء الأمطار والسيول في محافظة جدة لهو مصابنا جميعاً، فيجب علينا أن نشاركهم محنتهم، وأن ندعو لهم أن يرفع ما بهم من محنة، وأن يشفي كل مصاب منهم، وألا ننسى الدعاء للغرقى والموتى في هذه السيول، كما أن الواجب على المسؤولين والجهات المعنية تنفيذ أوامر ولي الأمر في تقديم يد المساعدة لهم وتسهيل جميع العقبات وتوفير كل ما يحتاجون إليه، وأن نخفف من مصابهم بكل الوسائل الممكنة وعدم تركهم للسؤال والحاجة من الناس. ومن المناسب التحذير من العشوائية في جمع التبرعات المالية أو العينية؛ فيجب التنسيق مباشرة مع الجهات المتخصصة كجمعيات البر الخيرية وغيرها.
أخيراً: أتقدم بالشكر الجزيل لخادم الحرمين الشريفين ثم لجميع المسؤولين الصادقين ولكل المتطوعين الذين ساهموا في مساعدة الناس عند وقوع الكارثة، ونحن في انتظار وترقُّب لنتائج لجنة تقصي الحقائق ومحاسبة المقصرين ومعاقبة المتورطين، ويسرني أن أشكر صحيفتكم التي نقلت أحداث إخواننا في جدة بصدق وشفافية.
سائلاً المولى أن يحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان.
إمام وخطيب جامع والدة الأمير عبدالعزيز بن فهد بحي الفلاح