قصيرة هي الحياة إذا حاولنا استرجاع الأيام والسنوات الماضية بذاكرتنا وكما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم «كمن استظل تحت شجرة ثم قام وتركها».. وكما قال الله سبحانه وتعالى وجل من قائل: ?لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ?.. فما أجمل العمل الصالح والذكرى الطيبة التي يتركها الإنسان بعد رحيله إلى الدنيا الباقية.
|
والوالدان من أكبر النعم على الإنسان ولهما شأن عظيم في عمارة الكون فهما بعد إرادة الله سبب وجودنا في هذه الحياة. ولهذا قرن الله عز وجل عبادته بالإحسان بالوالدين وبرهما والرفق بهما. وهما من أكبر النعم على الإنسان، أقول هذا وقد أخذ الله أمانته والدي صالح العبدالله الحسن العريني وذلك يوم الخميس 17 - 11 - 1430هـ فرحمه الله رحمة واسعة وتجاوز عنه وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ووالدتي وجميع موتى المسلمين.. آمين يا رب العالمين.
|
والفضل لله أولاً وآخراً فقد مد الله بعمره إلى التسعين قضاهما حامداً وشاكراً لله ولا نزكي على الله أحداً.. ولد في مدينة رياض الخبراء ونشأ وترعرع فيها في كنف والده عبدالله الحسن الصالح العريني (رحمه الله) وهو شاعر معروف في بلدته ومن أعيانها آنذاك وله حكايات وروايات مشهورة.
|
وتربى على يد والدته نورة البراهيم السليمان الوهيبي وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وقرأ القرآن الكريم كاملاً على يد الشيخين ناصر الصالح النويصر ومنصور بن رشيد الجمعة رحمهما الله.
|
ونظراً لظروف الحالة الصعبة وطلب العيش في ذلك الوقت لم يكمل تعليمه الديني فاتجه للفلاحة والزراعة.. وقد عاش وعانى ما عاناه أهلنا الأولون من شظف العيش وقلة ذات اليد والسنين الصعبة من الجوع والفقر والمرض وذلك في أوائل عمره. وقد تغرب عن بلدته رياض الخبراء في الرياض والخرج وغيرها واشتغل بالزرعة والبناء وغيرها من الأعمال بحثاً عن رغد العيش والحياة الكريمة.
|
ثم رجع إلى بلدته وتزوج. مارس الزراعة التي كان يحبها بشكل عجيب وخصوصاً النخلة المباركة حتى قبل سنوات قليلة وهو يعتني بها ويغرسها ويتابعها ويوصي بالاهتمام بها وإكرامها ومن حبه للزراعة كانت له معرفة بالأنواء وطوالع النجوم.
|
ومع الأمن والأمان ورغد العيش الذي تعيشه بلادنا خلال العقود والأخيرة أكرمه الله وأغناه بفضله عمن سواه وعاش حياة كريمة منّ الله عليه بها وزاده بكرمه أولاداً بررة موفقين وناجحين، كان والدي عفيف اللسان والنفس كريماً شهماً يعطي كل ذي حق حقه من أهله وأبناء عمومته وأسرته وجيرانه ويقوم بواجباته خير قيام، وكان بفضل الله قارئاً للقرآن ويحفظ منه كذلك. ومن سماته رحمه الله الصمت والحكمة فهو قليل الكلام كثير الاستماع يستمع لمن حوله ويعلق ويشارك وإذا رأى خطأ أو فحش القول أعرض عنه، وينهي من حوله بالخوض فيه وإذا أحد أخطأ عليه سامحه بل ودعا له، وكان دوماً يحثنا على مكارم الأخلاق وصلة الرحم واللين في المعاملة والإحسان لذوي القربى، والبشاشة في لقاء الضيوف وإكرامهم والبعد عن سفاسف الأمور وتجاوز الخطأ والتسامح مع من أخطاء بحقه والرفق بالضعيف والمسكين وفعل الخير بكل وقت وحين وبكل الأوجه.
|
وكان محباً للعلم والتعليم، حثنا (نحن أولاده وبناته) وساعدنا على العلم والتعلم وكان شديد الحرص على الدراسة ولا يسمح بالغياب، وخلال الثمانينات والتسعينات الهجرية كان يعمل بمزرعته لوحده وكنا مساعدين له ولكنه كان يقول لنا الدراسة أولاً وقبل أعمال المزرعة.
|
وبفضل الله ثم بدعواته ودعمه مع والدتي رحمها الله تعلم جميع أولاده وبناته وحازوا على الشهادات الجامعية والعالية فلله الحمد والمنّة أولاً وآخراً.
|
وهنا أتذكره وأدعو له وأقول:
|
الله يرحمك يا شيخ ما تعرض لمنقود |
أيضا ولا داس دروب الخطا والملاما |
شيخ كريم من أهل الصخا والجود |
الطيب ساسه والحلم ورفيع مقاما |
والسمت طبعه والناس حوله شهود |
تسلسل من الأجواد خوال وعماما |
كان راسنا وساسنا وللأسرة عمود |
وحنا على دربه ماسكين الخطاما |
رحل وهو بقلوبنا حاضر وموجود |
يالله جنة الفردوس له مقر ومقاماً |
وختاماً أدعو الله أن ينزله منزلة الأبرار في الفردوس الأعلى من الجنة ويتجاوز عنه ووالدتي وجميع المسلمين بفضله وكرمه. وكذلك أدعو الله من كل قلبي لمن قرأ كلمتي هذه أن يغفر له ويرحم والديه ويلطف بهما أحياءً وأمواتاً وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
|
|