Al Jazirah NewsPaper Wednesday  30/12/2009 G Issue 13607
الاربعاء 13 محرم 1431   العدد  13607
حقا.. إنها مضاوي التي أضاءت طريقي
ابنتك التي ترجو إيفاء حقك د. شيخة بنت مفرج المفرج

 

مضاوي بنت راشد بن إبراهيم الراشد بدأت علاقتي بها بعد وفاة والدتي - رحمها الله رحمة واسعة - وكنت لم أبلغ الثالثة من عمري. كانت نعم الأم التي ربتني أنا وثلاثاً من أخواتي يكبرنني.. سمعت وقرأت كثيراً عن زوجات الآباء.. لكنها بخلقها ودينها وحسن تعاملها غيّرت الصورة التي رسمتها لزوجة الأب واستبدلت بها صورة بيضاء ناصعة نقية حتى بلغ الأمر بي أني لم أسمها بغير أمي طيلة حياتها.. تولتنا برعايتها.. أسأل الله أن يتولاها برحمته.. وبذلت لنا من وقتها وجهدها أكثر مما تبذله بعض الأمهات.. حرصت على تنشئتنا على الدين منذ صغرنا - لا حرمها الله أجر ما قدمت - وأذكر حرصها الشديد على أن نؤدي الصلوات ونتبعها بالسنن الرواتب، وكانت تقول بعفوية (هذه يا بناتي ترقع نقص الصلاة).. كانت حريصة على تعليمنا ودراستنا.. جعل الله ما تنورنا به من العلم نوراً في قبرها.. ونورا لها على الصراط.. آمين. كانت تستيقظ مبكرة خاصة أيام الامتحانات لتصنع لنا الإفطار، وتدخله على كل واحدة منا في المكان الذي ندرس فيه.. أسأل الله أن يخدمها الولدان المخلدون في الجنة. أنجبت من أبي ولدين ذكرين، أسأل الله أن يتم عليهما الصلاح والهداية، وألا يحرمها برهما بعد مماتها..

لم تكن تفرق بيننا، بل أُشهد الله أنها لطالما خاصمت أخي عبدالله في صغره لأجلي. حرصت على تعليمنا كل شيء مما يهم الفتاة في مستقبلها من تنظيف وطبخ بل وخياطة.. تصبر على جهلنا وتشجع كل إنجاز نقوم به وإن كان يسيراً.. تراقب الله في كل ذلك - أحسبها كذلك - فلم يكن عليها رقيب غير الله؛ لأن والدي - أسكنه الله فسيح الجنان - كان مشغولاً بأعماله.

ولم تنته رعايتها لنا بزواجنا.. كلا؛ بل حرصت على أزواجنا تحملنا السلام لهم، وإذا كلمتهم كانت الأم الرؤوم، ويشمل حرصها أيضا أبناءنا من بنين وبنات.

تزوج إخواني فكانت تعامل زوجاتهم كأنهن بناتها.. بكين عليها.. وتأثرن بوفاتها.. أسأل الله أن يديم ألفتنا ويوفق الجميع.. آمين.

ابنتي ذات الأعوام السبعة لما علمت بخبر وفاتها بكت بكاء مريراً، وكلما ذكرتها بعد ذلك سألت الله لها الجنة والمغفرة والرحمة.

ابني الأكبر ياسر قال لي يوم وفاتها وقد كساه الحزن: يا أمي سنفقد دعواتها، فكلما سلمت عليها وضعت كفي بين كفيها وبدأت تدعو.

ابني الآخر خالد بكى بكاء مريراً بعدما نزل في قبرها واستقبل من عزاه في المقبرة لدرجة أن أخي الأصغر قال لي: إن بعض المعزين توقعوا أنه هو ابنها لا أنا.

كانت حريصة على متابعة أحوال المسلمين في كل مكان؛ فكلما اجتمعنا عندها سألتنا عما استجد في أحوالهم، حريصة على الصدقة، لم تتعلق بشيء من زخارف الدنيا، كان همها الآخرة ودعوتها أن يحسن الله خاتمتها وأن يمدها بقوة من عنده حتى لا تحتاج إلى أحد.

واستجاب لها ربها؛ لأنها دعت بإخلاص؛ فحتى يوم الخميس 2 - 12 - 1430هـ كانت تذهب إلى دورة المياه وحدها، وصلَّت فجر ذلك اليوم، ثم دخلت في غيبوبة ضحى الخميس، ونُقلت إلى المستشفى في العناية المركزة. لهجنا لها بالدعاء أن يشفيها الله في هذه العشر المباركة، وكل من علم بحالها دعا لها من أقارب وجيران، منا من كان حاجاً، ومنا من كان صائماً.. أخبرنا الأطباء بأنها جلطة.. قلنا الله على كل شيء قدير.. كنت أذهب إليها في المستشفى ولا أملك حبس دموعي عندما أراها على السرير بلا حراك.. وأتذكر أنها طيلة حياتها كانت تكره المستشفيات.. دعونا الله ألا يطيل عليها شدة وأن يفرج لها.. وفي اليوم الحادي عشر من شهر ذي الحجة فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها.. أسأل الله أن تكون هذه الأيام التسعة مكفرة لخطاياها.. فتقبل على ربها نقية بإذن الله.. ولله الحمد أن عمرها ختم بحجة.. فقد حج عنها ابن أختي، أسأل الله أن يتقبلها.. وختم بأضحية وصدقة.. نسأل الله حسن الخاتمة، لم يكن بينها وبين وفاة والدي سوى ستة أشهر وأسبوع.. أدت حق زوجها بالحداد ثم مضت إليه لا حرمها الله اللقاء تحت ظل عرشه.. آمين.

جاء المعزون من كل حدب وصوب.. وكان الجميع ولله الحمد يذكرونها بالخير، ويثنون على حُسن تعاملها وحبها لصلة الرحم والاجتماع.. بل إن من صفاتها المميزة أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر مع الدعاء للعاصي.

ستبقى يا أمي وصاياك الذهبية ترن في أذني في كل حركة من حركاتي، وسأترحم عليك في كل وقت، أسأل الله ألا يحرمك أجر كل توجيه ونصح..

وليعلم الجميع أن الخوف من الله ومراقبته هو أساس نجاح أعمال العاملين.

إلى جنة الفردوس يا أمي مضاوي.. جمعنا الله بك وبوالدينا وعلمائنا ومشايخنا.. ومن له حق علينا في مقعد صدق عند مليك مقتدر.. آمين.

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - قسم السنة وعلومها



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد