الحمد لله على نعمائه, والشكر له على آلائه, نعمه لا تحصى, وآلاؤه لا تستقصى, والصلاة والسلام على النبي المصطفى, والرسول المجتبى, وعلى آله وأصحابه الأوفياء, ومن سار على دربهم واقتفى, وبعد:
.. وتتوالى على مملكة الحب والإنسانية, والبذل والسخاء في شمولية, المنح الإلهية, والمواهب الربانية, ومظاهر التقدير والإشادة العالمية, سواء من دول أو جهات أو عبر المنظمات الدولية, فبالأمس القريب يشاد بمليكنا المفدى, وقائدنا المسدد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - أيده الله - كأعظم شخصية عالمية, تمتلك الحنكة والسياسة والحصافة والرأي, وتؤثر في مجريات الأحوال ومواقف الدول, ثم يمنح جائزة داخلية في الإنجازات الوطنية؛ لرصيده العالي وقدحه المعلى في دعم مسيرة التعليم العالي في مملكة الرقي والتطور والنماء, حتى أصبح هذا العهد الميمون بصمة بارزة في تاريخ هذه الدولة المباركة الممتد - بإذن الله -, ثم ها هو أمير الأمن والفكر والسداد, صاحب العقل الوافر, والتجربة الناضجة, والرؤى المتزنة, صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية يُمنح بكل جدارة واستحقاق, وتفرد غير مسبوق، جائزة المانح المتميز للأونروا؛ تقديرًا لمواقف المملكة العربية السعودية الإنسانية, وتأكيدًا على تفرد المملكة في هذه العطاءات المتميزة, التي حققت الهدف مع الحكمة التي لا تتجاوز فيها المنظمات الدولية, فكانت بحق طريقة رائعة, أبرأت بها الذمة, وساهمت في رفع المعاناة, وأسهمت في رفع القضية الفلسطينية مع الوضوح والشفافية في كل ذلك, وهي من الجانب الآخر اعتراف بدور هذه الشخصية العالمية الفذة, والقدرة الفائقة التي يتمتع بها - أيده الله -, وهو المشرف على كل الحملات واللجان السعودية الإغاثية إشرافًا شخصيًا, جعل هذه الأعمال والمساهمات الإغاثية والمساعدات الإنسانية تصل إلى مستحقيها, وتساهم في سد خلتهم, وتفرج كربتهم, من خلال التعامل مع المنظمات الدولية, وعلى رأسها منظمة (الأونروا) التي قدمت العون للشعب الفلسطيني منذ عام 1948م.
*, وقال: (وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) *أخرجه البخاري في صحيحه*, فكيف إذا كان قادة هذه الأعمال الإنسانية, والمثل العليا هم من اختارهم الله للولاية والمسؤولية؟ وهذا ما اعتدنا عليه في مثل هذا الوطن الآمن, والبلد المعطاء, بلد الخير والنماء, والإنسانية والبذل والسخاء؛ إذ إن هذه الأعمال سمة من السمات التي يتميز بها ولاة الأمر - أيدهم الله -, وجبلهم الله على هذه الخلال والأعمال, وتأسى بهم أبناء الوطن, حتى أصبح ذلك جزءًا من الثوابت التي قامت عليها المملكة, ومنهجًا لا تحيد عنه في كل الظروف؛ لأن ما يميز هذه المملكة الغراء أنها تحكِّم الشريعة في كل شؤونها, وتنطلق في كل شأن وتصرُّف مما جاء فيها, ومن أعظم ما ورد فيها هذه الصورة التكافلية, التي تمثل تماسك الأمة وتراحمها وتعاطفها, حتى ليصدق عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كالجسد الواحد), و(كالبنيان يشد بعضه بعضًا).
وإلى هذه الصور المثالية في التمسك بالكتاب والسنة, والقيام بأعمال البر والإحسان والإغاثة والتعاون، يعزى ما تعيشه مملكتنا المباركة من بركة وخير, وحفظ وحماية, وأمن في الأوطان, ورغد في العيش, حتى غدت - ولله الحمد - مضرب المثل ومحط الأنظار, ونسأل الله تعالى أن يديم علينا هذه النعم.
وهذه السياسة التطوعية التي سارت عليها المملكة سياسة مدروسة بتوازن وحكمة وحنكة؛ فهي مساهمات لا تتدخل فيها في شؤون البلاد الأخرى الداخلية, ولا تصدر لأعمال دعائية أو أغراض شخصية, وإنما هدفها رضا الله جل وعلا, وأداء حقوق الأخوة الإيمانية, ورفع المعاناة عن المتضررين, وإغاثة الملهوفين, ونصر المظلومين, ونصرة قضايا الحق والعدل, والسلم والسلام, فجسدت بذلك المثالية الحقة, والمنهج الحكيم, والمساهمة المنضبطة التي تبني ولا تهدم, وتجمع ولا تفرق, وتلك هي معالم سياسة دولتنا المباركة, فأمير المكارم والشهامة والنخوة الأمير نايف - حفظه الله - يستلهم حكمة ملك الإنسانية, ويقود مسيرة العطاء التي شمل بها خادم الحرمين الشريفين مليكنا المفدى - حفظه الله - الكثير من الدول, ووجَّه بها للمتضررين والمنكوبين في العالم أينما كانوا؛ لأن ذلك ما يميز هذه المملكة المباركة وقيادتها وشعبها الوفي, فحينما تأتي هذه المساهمات عبر هذه المنظمات فذلك لا شك أنه أدعى لوصول هذه المكرمات إلى مستحقيها من أصحاب النوازل والحاجات دون تدخل في الخصوصيات والسياسات, حيث كان هذا البعد الدقيق مراعى في الأعمال الإغاثية, خاصة في ظل الظروف العالمية التي تعيشها دول المنطقة بل دول العالم, فالرؤية الثاقبة التي تنتهج منهج الحكمة, وتراعي الأبعاد المختلفة، هي ما ميز صاحب السمو الملكي, وهي جزء من شخصيته, ولا عجب في ذلك؛ فصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز - حفظه الله - سليل الأسرة الماجدة, وأحد أبناء الملك المؤسس الباني الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود - طيب الله ثراه - اكتسب الخبرة، وعايش السياسة, واجتذبته حكمة والده المؤسس؛ ولذلك عايش الأوضاع الداخلية والخارجية لهذه الدولة المباركة, وتقلَّد مناصب عدة, لكنه أمضى ما يقرب من نصف قرن في وزارة الداخلية, نائباً للوزير, ثم وزيراً لها, ومرت به أحداث جسيمة، وتطورات كبيرة, وتقلبات داخلية وخارجية, وكان وجود سموه على رأس قمة هرم المسؤولية في وزارة الداخلية التي تمثل أساساً للأمن, وردءاً للأجهزة الأخرى, ثم قرار المليك المفدى باختياره نائبًا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء, كل ذلك كان سبباً رئيساً بعد فضل الله ومنَّته في تجنيب الدولة مخاطر كبيرة, واتهامات خطيرة, خاصة ما يُثار من فرية عظيمة, وبهتان وراءه ما وراءه أن المملكة تدعم الأعمال الإرهابية, وحاشاها من ذلك؛ فهي أول من اكتوى بنار الإرهاب, وأول من قاومه, وحاربه بصورة مؤثرة ولله الحمد والمنة, بل ضربت المثل الأعلى في التعامل الحكيم, وأصبحت تجاربها في هذا المجال مقصدًا لكثير من الدول للإفادة منها في مقاومة ما تعانيه في بلدانها.
وثاني تلك الدلالات المهمة، وهو أمر مهم: أن تلك الإشادة والتقدير والمبادرة من هذه الوكالة الأممية العالمية إنما جاء لأن هذه المساهمات انضبطت, وكانت عبر المظلات المعتبرة دوليًا, وهذا فقه دقيق, وحكمة مطلوبة, وسمة من سمات السياسة التي تنتهجها بلادنا المباركة؛ لأننا في الوقت الذي نرى الموقف الشرعي من أعمال الإغاثة والصدقات والهبات والتبرعات من خلال النصوص الكثيرة, إلا أن هذه النصوص مقيدة بما يحقق الصلاح في هذه المشاركات, وألا يترتب عليها مفاسد تربو على ما يتحقق بها من مصالح, وهذا يعود إلى قواعد شرعية معتبرة, وتوازن تقوم عليه نصوص الشريعة ومقاصدها الكلية والجزئية؛ لأن التصرفات إن كانت مصالح روعي أعلاها, وإن كانت مفاسد روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفها, وإن كانت مفاسد ومصالح قدم جانب درء المفاسد على جلب المصالح, وهذه الموازنة الدقيقة يدور عليها فقه كثير من التصرفات والممارسات, ولو نظرنا إلى سياسة ولاة أمرنا التي يجب علينا أن نجسدها في واقعنا لرأينا هذه النظرة المقاصدية مدركة معتبرة في هذه المساهمات, وفي مقابل هذه الصورة المثالية تلك التصرفات التي تصدر عن أفراد أو جهات, وتقوم على أساس الهبات والتبرعات, لكنها ترتجل وتبنى على الحماسات, وتثمر نتائج سلبية, بل وتتراكم حتى تكون سببًا في منع باب من أبواب الخير أو إغلاقه, وهذا ما حصل في بعض المشاركات غير المنضبطة التي اختل فيها هذا الجانب المهم, واستغلت استغلالاً سيئًا, وبلغ الحد إلى توظيف غير مشروع يستهدف الأمن والمصالح العامة والخاصة, فما أجدرنا نحن كمواطنين أن نستلهم من سياسة ولاة أمرنا في كل شأن, وفي هذا الجانب الخيري التطوعي على وجه الخصوص.
وثالث تلك الدلالات: ذلك التفرد والتميز الذي حظي به أميرنا المبارك - حفظه الله - فهذه أول جائزة تمنحها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا), وصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز, النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية - يحفظه الله - هو أول شخصية عالمية يحصل عليها, ويقيني أن هذه الأولويات لها اعتباراتها الدالة على تفرد هذه الشخصية العالمية, وما حباها الله به من خلال وشمائل, وما قدمت من جهود عظيمة في مجال عمل هذه الوكالة خصوصًا, وفي المجال الإغاثي والإنساني بعامة, فلم يكن مفاجأة أن حظي صاحب السمو الملكي النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية بهذه الجائزة العالمية المميزة, وثمت سر يميز هذا المنح أشار إليه سفير فلسطين في الرياض, وذلك أنه في ظل العدوان الأخير على غزة لم يكن بإمكان أي جهة أن تقدم المساعدات للشعب الفلسطيني إلا وكالة الغوث (الأونروا)؛ لأن لديها مكاتب تحت علم الأمم المتحدة وتحت شرعيتها, فكانت الجهة الوحيدة القادرة على إيصال المساعدات لأبناء الشعب الفلسطيني, والنقطة الثانية: أن مؤسسات الأمم المتحدة تتحلى بشفافية في العمل, ولا يمكن لأحد أن يتهمها بعدم إيصال المعونات لمستحقيها, والأمر الثالث: أن هناك بُعدًا سياسيًا للأمر, فبعد الحادي عشر من سبتمبر كانت حملة ظالمة ضد الدول الإسلامية والسعودية خصوصًا فيما يتعلق بتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني, واعتبار هذه المساعدات تذهب للإرهاب, ولهذا السبب عندما جاءت المعونات عبر مؤسسات الأمم المتحدة دحضت هذه الحملة الظالمة ومنعت كل هذه الافتراءات التي كانت تهدف في الأساس إلى حصار الشعب الفلسطيني، وبالتالي المملكة استطاعت اختراق هذا الحصار عبر تعاملها مع مؤسسات الأمم المتحدة, وهو دليل على حكمة القيادة السعودية التي يعرف عنها صحة القرارات, والشعب الفلسطيني ممتن للسعودية حكومة وشعباً لكل المساعدات التي ما زالت مستمرة، والتي أشبه ما تكون بمن يأخذ (الجلوكوز) في الدم؛ حيث يستفيد جميع أعضاء الجسم, وهذا ما قاله سفير فلسطين, وصدق فيما قال, وبهذا ظهرت أبعاد اختيار أميرنا الموفق المسدد لهذا التكريم العالمي - زاده الله رفعة في الدنيا والآخرة -.
أما رابع تلك الدلالات وآخرها: فهو أن هذا التكريم يؤكد سياسة المملكة العربية السعودية وموقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية التي كانت وما زالت وستظل - حتى يأذن الله بزوال الكربة, وتحقيق التمكين لأبناء شعب فلسطين - تلقى الدعم والتأييد والمؤازرة, سواء في الموقف السياسي أو الإنساني أو الاجتماعي, وهو موقف لا مزايدة عليه ولا ينكره إلا جاحد أو مكابر.
وبعد: فهذه خواطر أحملها في هذه المناسبة تجاه هذا الرجل الفذ, والأمير النابه, والسياسي المحنك, أحد أركان هذه الدولة المباركة وعظمائها, فما أسعدنا بهذه المناسبة, وهنيئًا لصاحب السمو الملكي هذه الجائزة العالمية, ونسأل الله أن يجعلها عاجل بشراه, وأن يدخر له أجر ما قدم ويقدم, وهنيئًا لنا بسمو أميرنا المبارك أمير الأمن, النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء, وبارك الله جهوده, وجعله مفتاحًا لكل خير وبركة, وأغدق عليه فضله, وأجزل له مثوبته جزاء ما تلقاه الإنسانية عامة, وأمة الإسلام بخاصة من دعم ومشاركة مؤثرة, وأدام الله على بلادنا أمنها واستقرارها ورخاءها, ودفع عنها كيد الكائدين وحسد الحاسدين وفساد المفسدين.
مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية