Al Jazirah NewsPaper Saturday  02/01/2010 G Issue 13610
السبت 16 محرم 1431   العدد  13610
 
الجائزة الدولية للأمير سلمان: تتويج لمؤسسة العمل التطوعي
د. زهير الحارثي

 

السعوديون بفطرتهم، لديهم ميول غريزي إزاء الأعمال الخيرية، مثلهم مثل أجدادهم ذوي الفطرة النقية، فكانوا أولئك مسالمين ومتناغمين ومتصالحين مع أنفسهم، ومع ما حولهم من دون تصنُّع أو تشنُّج، فما كان منهم إلا أن جسَّدوا معاني التآلف والإخاء والتسامح والأجواء المملوءة بالرقة والحنو والسمو وألحان السكينة، ولعل وجود العشرات من المنظمات والمؤسسات الخيرية السعودية المنتشرة في داخل وخارج المملكة دلالة واضحة على هذا المنحى، حيث يكمن هاجسها في تقديم المساعدة والمعونة لكل من يحتاجها، ومن يزور المملكة يلحظ إلى أي مدى وصلت العدالة الاجتماعية وروعة الصور التكافلية التي تُجسِّد ملامح الإخاء والتعاون والعطاء، مما شجَّع المؤسسات والأفراد على الإسهام في الأعمال الخيرية.

وفي هذا السياق ومن عمق الوطن، يأتي اسم سلمان بن عبدالعزيز كقامة وطنية باستحقاقه جائزة دولية في العمل التطوعي الإنساني، ولأنه رجل دولة وخبرة تراكمت واعتصرت فيها تجارب سنين، فإنه من الطبيعي أن يحمل قلبه الكبير هموم الجميع، فيتألم لأنين الضعفاء والمساكين، ويدمع لحاجات اليتامى والمعاقين، كيان بمثابة قلب مغلَّف بالحب والحنان والعطف وينبض بالبذل والسخاء والإحساس بالمحتاجين والفقراء، فكان هو بحق سلمان العطاء والبذل وأمير العمل التطوعي، ولا سيما أنه لا يلبث أن ينضح بعزيمة جادة وإرادة صادقة وحرة، تهدف للمنفعة الجماعية ونصرة المستضعفين.

وإذا كان من مبادئ الشريعة دعوتها للتكافل والعدالة الاجتماعية وحثّها على البر والتقوى والصدقة، وذلك من أجل تحقيق توازن في المجتمع، فإن هذا الأمير جاء ليرسِّخ تلك المعاني ويترجمها على أرض الواقع، فهو يفعل ذلك تبرعاً دون منّة أو انتظار إطراء أو مديح؛ بل ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى، وخدمة وطنه وشعبه.

ولعل العمل التطوعي من أجل الخير، هو في عمقه تجربة تعكس رقياً حضارياً وإنسانياً، وتبلور شعوراً فريداً يكمن في تسخير الشخص نفسه طواعية لمساعدة ومؤازرة الآخرين، وهي مساهمة بمبادرات لفعل الخير، انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، لتصبح في نهاية المطاف فضيلة من الفضائل السامية، فيسعى إليها الإنسان ويقدرها المجتمع.. وقد فعلها سلمان بن عبدالعزيز كرغبة وهاجس، فتحوَّلت بقدرة قادر إلى نموذج وقدوة يحتذي به الآخرون.

إن منح هذه الجائزة الدولية لسمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز وتسلُّمه إياها بالأمس، تأتي كشهادة تقدير وعرفان بدوره التطوعي والإنساني، وإنه يحمل في أعماقه أعلى درجات الاهتمام والرعاية والعواطف الإنسانية.. فضلاً عن أنه تكريم للمملكة باهتمامها بذوي الحاجات الخاصة، كونها موقنة بأن هذه الشريحة لها حقوق، فهم أبناؤها ويستحقون منها العناية والاهتمام.

إن رؤية الأمير في تقديري هي مؤسسة العمل التطوعي ليكون مؤسسة اجتماعية، لكي تقوم بعمل دائم ومنتج ومبتكر ومتجدد، ولعل تأسيس سموه لجمعية الأطفال المعوقين منذ ربع قرن وكذلك مركز الأمير سلمان بن عبدالعزيز لأبحاث الإعاقة.. وما أعلن عنه مؤخراً عن إنشاء جائزة الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة، كلها تأتي كمشاريع تطوعية كبرى ذات طابع مؤسسي لتلبي الاحتياجات الاجتماعية التي أنشئت من أجلها، ولا سيما أنها لا تبحث عن كسب أو ربح مادي.

غير أن طرح مثل هذه المشاريع والبرامج التطوعية لم يعد مغامرة، بل تجربة تستحق التفكير لأنها طموح وإلهام في كينونتها، ونجاحها مضمون طالما ارتبطت بالإيمان بفكرة التطوع.

إن جهود سموه البارزة والمتواصلة في خدمة المعوقين في المملكة ودعم وتشجيع البحث العلمي في مجال الإعاقة من خلال تبنيه وترؤسه ودعمه لعدد من الجمعيات الخيرية تكشف بحق عن الصور الإنسانية والكثير من الصفات والسمات إزاء ذوي الاحتياجات الخاصة، فاهتمامه بتهيئة المناخ لهم من أجل تلبية متطلباتهم لتجعلهم قادرين على مواجهة الحياة، بل ودمجهم في مجتمعهم بشكل منتج وفاعل، هو سلوك أبوي تتجلى فيه رمزية العطف والثقة.

فمن جهة هناك حنو الأب صاحب القلب الكبير، ومن جهة أخرى اعتداد بقدراتهم لخدمة وطنهم.. فما أروعها من معادلة.. وما أجمله من وطن.

عضو مجلس الشورى وعضو جمعية المعاقين



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد