Al Jazirah NewsPaper Friday  15/01/2010 G Issue 13623
الجمعة 29 محرم 1431   العدد  13623
لكي نفتح لهم آفاق الحياة من جديد
من يدعم توظيف السجناء؟

تحقيق - منيرة المشخص :

السجن والبطالة من إفرازات المجتمع فأي القولين أحرى: القول بأن البطالة مسبب من مسببات السجين أم أن السجين إفراز من إفرازات البطالة؟.

وفي هذا التحقيق وهو ليس للسجين الذي ثبتت إدانته بل للمجتمع الذي نطالبه بالدفاع عن المكتسبات نحاول إخراج معتقدات المجتمع السجينة وتحريرها نحو آفاق من العمل الجاد لتقبل السجين أو السجين ضمن فئاته سواء في القطاع العام أو الخاص فلا يحل لنا إخراجه من سجنه وإبقاؤه سجيناً في معتقلاتنا الفكرية.

مضاعفة نسبتهم بالسعودة

بعد تخطي من كأنهم لا يعنيهم الأمر، وهي المديرية العامة للسجون وانتظارنا لسبعة أشهر دون جدوى تحدثنا إلى المعنيين الآخرين وهم وزارة العمل التي أوضحت على لسان مدير علاقاتها الأستاذ حطاب الحطاب أن معالي وزير العمل أصدر القرار رقم 2103 - 1 وتاريخ 27 - 5 - 1429هـ المتضمن احتساب العامل السجين والمفرج عنه بعاملين في نسبة السعودة. وبيّن قائلاً إن ما صدر في نظام العمل يحفظ حقوق كلا الطرفين مع التوضيح في أوراق التوظيف أنه سجين (نزيل) وأن الوزارة تسعى أن تكون الأجور المعروضة ملائمة ومتكافئة مع العمل المحدد، وهناك متابعة من قبل الوزارة ممثلة في مندوبيها تعمل على التأكد من التوظيف ومن استيفاء حقوق السجين، وأضاف الحطاب أن السجين الذي انتهت محكوميته تتم متابعته وفق القرار الوزاري المشار إليه لشموليته السجين والمفرج عنه, حيث لا ينتهي سريان مفعول عقد التوظيف بمجرد انتهاء مدة محكومية السجين, وإنما يترك الأمر لرغبة كل من السجين وصاحب العمل وإدارة السجن موضحاً أن القرار الوزاري يشمل الرجل والمرأة وينطبق بحقها ما ورد في نظام العمل, لا يتم تحديد جهات عمل للمرأة , بل تعمل في كل المجالات التي تتفق مع طبيعتها ومؤهلاتها ووفق ما نص عليه النظام والقرارات السامية, ويحظر تشغيلها في الأعمال الخطرة أو الصناعات الضارة. وعن الإحصاءات المتوفرة حول توظيف السجناء قال الحطاب: لا توجد إحصائية حالياً, لأن السجناء عندما يتم تسجيلهم في قاعدة المعلومات لا يمكن التمييز بينهم وبين الآخرين.

وبزيارة استفسارية لمدير صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) الأستاذ أحمد المنصور الزامل أجاب حول ماهية الدعم الذي يقدمه صندوق تنمية الموارد البشرية لدعم وتفعيل القرار قائلاً: اعتمد الصندوق برنامجاً خاصاً لدعم تشغيل السجناء بحيث يسهم الصندوق لمدة (24) شهراً بدعم مالي يعادل بنسبة (50%) راتب الموظف (السجين) كمبلغ إضافي لراتبه المحدد في عقد العمل وبما لا يتجاوز الدعم مبلغ (1000) ألف ريال شهرياً. وأضاف: كما أبرم الصندوق مذكرة تفاهم بداية السنة المنصرمة 1430ه مع المديرية العامة للسجون لتنفيذ هذا البرنامج للسجناء العاملين في منشآت القطاع الخاص داخل السجون في عدد من مناطق المملكة والذين قد يزيد عددهم حالياً عن (300) سجين، وقال الزامل في موضوع متابعة السجين ودعمه بعد خروجه وأبرز القطاعات الداعمة أنه في حال انقضاء المدة قبل انتهاء مدة الدعم الأربعة وعشرين شهراً واستمرار العلاقة التعاقدية بين المنشأة والموظف فإن الصندوق يكمل الدعم للمدة المتبقية وبنسبة 50% من الراتب وبما لا يتجاوز ألفي ريال شهرياً، موضحاً أنه لا يوجد حد أعلى للراتب. ولكن اللائحة التنظيمية لتشغيل السجناء الصادرة من وزارة الداخلية حددت حداً أدنى لراتب السجين خلال فترة التجربة ب (400) ريال و(600) ريال لفترة التوظيف. يضاف إليها مساهمة الصندوق خلال فترة المحكومية بنسبة 50% بما لا يتجاوز (1000) ريال شهرياً. وأضاف: والصندوق مساهم بدعم هذه الفئة انطلاقاً من دوره في دعم قطاعات العمل وطالبي العمل من منطلق أهدافه, لتأمين فرص العمل للمواطنين أينما وجدوا في حالة رغبتهم وقدرتهم على العمل، ولا يتم التفريق بين السجين والسجينة، وعن دعم أبناء وبنات السجين أو السجينة من قبل الصندوق وأوضح الزامل: الصندوق لم يقف فقط عند تأهيل القوى العاملة الوطنية وتوظيفها بالقطاع الخاص, بل قام أيضاً خلال السنوات الأخيرة بتفعيل إطار المسؤولية الاجتماعية حيث قمنا بدعم جهات العمل الخيري في كافة مناطق المملكة. ومن ضمن هذه الجهود التوقيع مع اللجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم (تراحم). لتفعيل استفادة الفئات المستبعدة من اللجنة لطالبي العمل من خدمات دعم الصندوق ومن أهمها خدمات التوظيف والإرشاد المهني وخدمات التدريب من خلال برنامج ماهر 12×12 وخدمات دعم رواد الأعمال.

نظرة القطاع الخاص

القطاع الخاص أحد أهم ركائز التحقيق فدوره بارز ومطلوب وهو ما تحدث فيه رجل الأعمال الأستاذ إبراهيم بن سعيدان حول قرار وزارة العمل باحتساب توظيف سجين سعودي في القطاع الخاص بموظفين حيث قال: إن ولاة الأمر -يحفظهم الله- يولون الإنسان جلّ عنايتهم واهتمامهم باعتبار أن السجناء من شرائح المجتمع ولا بد من إصلاحهم وإعادتهم إلى أسرهم أعضاء فاعلين ينفعون أنفسهم من خلال تأهيلهم وتدريبهم. كما أنهم -أيدهم الله- لا يألون جهداً في تقديم كافة أنواع الدعم المادي والمعنوي لبناء الإنسان وإصلاحه وتهيئة كل مقومات الحياة الضرورية. والسجناء كغيرهم من شرائح المجتمع يجدون كل أنواع الاهتمام والرعاية بما يكفل تأهيلهم وإعادتهم لمجتمعهم لبدء حياة جديدة مليئة بالطموح والإنجاز، وقرار احتساب توظيف السجين بموظفين يندرج ضمن المتابعة والاهتمام التي توليها الدولة لهذه الفئة من المجتمع لتشجيع المنشآت على توظيفهم واستيعابهم حتى يعودوا أعضاء فاعلين في المجتمع من خلال توفير سبل العيش الكريم لهم وانخراطهم في الحياة العملية، وهذا القرار يساهم في تقبل المجتمع للسجين المفرج عنه لأنه طالما أن السجن (إصلاح وتأهيل) لذا ينبغي أن يقنع المجتمع أن المفرج عنه قد تم إصلاحه وتأهيله ليعيش ويخدم مثله مثل أي مواطن صالح، فتتوفر له الوظيفة المناسبة وتتوفر له الأجواء المناسبة التي تغيب فيها الأسباب التي قد تدفعه للعودة إلى السجن من جديد. فلا فائدة من الإصلاح والتأهيل إن لم ينتهِ إلى شغل هؤلاء بعمل يعيشون من خلاله ويشعرون أنهم ممتنون للدولة والمجتمع فيبتعدون تماماً عن الأسباب التي قادتهم في المرة الأولى إلى السجن ويقللون فرص استغلالهم من الآخرين.

وتوجهنا له بسؤال مباشر وصريح حول إمكانية توظيف سجين لديه في المنشأة؟ وما هي الشروط التي سيضعها فأجاب بشفافية: ليس هناك ما يمنع من توظيف السجين في منشآت القطاع الخاص ونحن منهم، متى ما توفرت فيه الشروط اللازمة لشغل الوظيفة المطلوبة، بمعنى أن يكون مؤهلاً لشغلها، فالسجين أولاً وأخيراً هو ابن الوطن وله الحق في العيش الكريم من خلال وظيفة تؤمن له مستقبله وتبعده عن الأسباب التي دفعته لدخول السجن أول مرة، كما أنها تشعره باحتضان المجتمع له طالما أنه على استعداد لتأدية واجباته الوظيفية، وما معنى خطأ يقترفه الإنسان مرة ويتعلم منه (كلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون).

لا شروط عندي أمامهم

رأي آخر من القطاع الخاص باعتباره المحك في الموضوع للاستزادة منه يقول رجل الأعمال الأستاذ سلطان آل عجلان في رد مباشر: القرار الصادر من وزارة العمل بخصوص توظيف سجين سعودي قرار أرى أنه جيد ويصب في صالح السجين.. مضيفاً بالصراحة حول توظيف السجين: نعم بالإمكان توظيف سجين ولا أضع أية شروط للموافقة عدا فترة التجربة التي تطبق على أي موظف آخر. معللاً بأن السجين في نهاية الأمر ابن من أبناء هذا البلد ولا يعني أنه تعرض لموقف في حياته عرضه للسجن أن يحكم عليه بأنه غير صالح للعمل، بل على العكس ربما إعطاء الفرصة له يجعل منه موظفاً منتجاً ومحققاً للأهداف المطلوبة منه بكل المقاييس.

وكان لسيدة الأعمال هيا الشهري رأي حيث قالت بشكل سردي: أخشى أن يكون في هذا الاستفتاء نوع من العبثية المطلقة بالحديث عن توظيف السجناء بنحو أو بآخر في القطاع الخاص بينما ترزح أقدار الوطن برمته تحت كتلة هائلة من العاطلين الطلقاء وكأننا نقفز فوق واقعنا فنضفي في هذا القبول أو هذا الرفض سمة التصنيف السلوكي المطلق لدى السجين أو السجينة اللذين قد يكونا أكثر مدعاة للتفاني والإتقان في العمل من الطلقاء.. ولو زعم أحدنا تقييماً يتخذ منه صفة التعميم في تفسير نوازع الأخلاق بين السجناء والطلقاء فإن ذلك يصبح إدانة لشريحة اجتماعية يهمنا أمرها كثيراً تم الحكم عليها بنحو أو بآخر خلف أسوار القضبان، فكأننا نصدر بذلك حكماً إضافياً لضميرها وأخلاقها دون أن نمتهن مهنة القضاء.. فلا يمكن لأحد منا نكران تشابه الخصائص الأخلاقية بين السجناء والطلقاء تشابهاً قريباً في المعرفة الإنسانية والقدرات الإنتاجية وخصائص الإبداع.. لذا نرى أن فكرة توظيف السجناء هو أحد سمات البلورة الفكرية وغير الفكرية في الحياة العملية في المجتمع وهو أحد مكونات نموها الطبقي والإنساني وعنصر من عناصر فعالياتها السلوكية.. فلا نود أن نرى ما يراه غيرنا عند تصنيف فئات المجتمعات الإنسانية. إن أثر التحولات السلوكية الذي تتركه حياة السجون يستغرق في تراكمه برهة من الزمن لدى المفرج عنهم من أجل التأهل والاندماج الحياتي.. فالطرح المنهجي في قبول توظيف السجين أو السجينة يجب أن يتجاوز الغلو المفرط في تصنيفهم على أنهم سجناء.. فقد تظهر مساوئ أية شريحة اجتماعية طليقة من خلال التعامل معها بشكل فادح بينما هي مطلقة القيود.. وحري بنا معالجة فكرة قبول توظيف السجين أو السجينة قبولاً رياضياً وطبيعياً ليرتبطا بالفئة الطليقة من خلال القبول بهما معاً بمنهج من التعامل الذي يجب أن يسود كل فئات المجتمع.. فإن أي تصدع في هذه العلاقة الفئوية من خلال نظرة أحدهما للآخر مؤداه اندثار الروابط الاجتماعية بينهما.. وهذا الاندثار الناشئ عن المسخ الاعتباري لمكونات شخصية المفرج عنها للتو هو الذي يفسر غياب القوى الفاعلة في المجتمع الطليق الذي تتكدس شرائحه الواسعة في مجتمعنا بلا عمل.. ولربما أصبحوا في يوم من الأيام في نفس الخانة بدافع من التحريض التلقائي الذي تنتجه البطالة..لأن مشكلتنا الحقيقية هي أن الجيل الطليق لم يزل عاطلاً على الرغم من قبولنا بتوظيف أي سجين أو سجينة.

ومن سوء الحظ أن منطقنا هو البحث عن شواغر متاحة للسجناء.. وهل يمكن أن نقبل بهم في مؤسساتنا بالقطاع الخاص.. ثم طرح قضيتهم بهذا النحو الجريء للنقاش.. واختتمت السيدة هيا تحقيقنا بسؤال كما بدأناه بالأسئلة.. فلا أحد يدري أنهم لم يكونوا سجناء إلا نتاجاً لإفرازات هذه البطالة التي لم نتحدث عنها بروح رياضية.




صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد