المعروف والبدهي أن الكرم صفة من يستضيف الناس، ويقوم بواجب القِرى للضيف.. كما نصت على ذلك نصوص الشرع المطهر، وكما هو الحال بتراثنا العريق وما ترويه الكتب والأشعار.. لكن أن يُوصف الضيف بالكرم فهذا خلاف المعتاد، ويحتاج إلى توضيح.. فالأضياف على مراتب ثلاث، فمنهم الكريم ومنهم اللئيم، وبينهما فريق ثالث!
ومن فضل الله أن الغالب هم القسم الأول وهم الأصل، والفريق الثالث اللئيم الذي لا ينكر وجوده وهو قليل، إلا أن مع قلته فله تأثير سلبي فهو مثل النقط القليلة القاتمة على الثوب ناصع البياض.
وحين يُذكر هنا الضيف اللئيم فهو من باب: (وبضدها تتبيّن الأشياء).
ولعلي أقف بك قارئي الكريم على نماذج من الضيوف الكرام في تراثنا الإسلامي العريق وتراثنا المحلي الحديث، وفي كل منها فائدة وعظة وعبرة:
فعندما يحل الضيف المحتاج للضيافة على من لا يجد ما يقدمه، فيقدم الضيف ما يُقري الضيف والمضيف وأهل البيت، وهذا النموذج قدَّمه لنا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عند هجرته إلى المدينة المنورة مرَّ بخيمة أم معبد، وسألها عن طعام أو حليب فقالت إنه لا يوجد شيء.. فسأل عن نعجة صغيرة عندها.. فأفادت أم معبد أنه لا حليب فيها.. فطلب أن ينظر فيها فقالت: هي أمامك، فمسح على ضرعها فدرّت حليباً وسقى صاحبيه، ثم شرب هو وحلب في الإناء وتركه لها ولأهل البيت، وهذا أنموذج من الضيف الكريم المبارك.
ومن تراثنا المحلي ما يُنقل من أن صاحب راحلة أناخ راحلته على بيت من البيوت ضيفاً عليهم، فقال له صاحب المنزل إنه لا يوجد في بيته ما يفطر به الصائم، فلما همَّ الضيف بالانصراف خاف أن يعلم الناس فيعيروا صاحب المنزل بذلك، فسأله هل لديك سمن؟! فأجاب بأنه لا يوجد لديهم سوى عكة سمن قديمة قد طويناها، فقال: أحضرها، ثم سخنها حتى خرج منها شيء قليل من الدهن فمسح يديه ووجهه ليُقال إن صاحب البيت قد أطعمه.
ومن أروع القصص التي وثقت شيئاً من أخبار الضيف الكريم والذي يكون عاقبة زيارته سعة الرزق على المستضيف، ما يحدثنا به كبار السن عن صقر الجزيرة.. وموحد هذا الكيان الملك عبدالعزيز -طيّب الله ثراه-.. وذلك حين كان في بادئ أمره في معارك التأسيس والتوحيد، وعندما خرج من الكويت متوجهاً إلى الرياض قابله رجل من أهل البادية، وهو لا يعرف أنه عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل، فدعاه ومن معه للضيافة.. فلبى الملك عبدالعزيز الدعوة وجلس هو ورجاله.. إلا أن هذا الرجل لم يكن لديه غنم كونه صاحب إبل، فنحر لهم جملاً وأطعمه عبدالعزيز ورجاله، وعندما أراد الملك عبدالعزيز الانصراف.. دعا صاحب المنزل.. وقال له: أنا عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل، وإن سمعت بي فتعال، فلما ظهر الملك عبدالعزيز ووحّد هذه البلاد وقام ذكره وخبره، جاء الرجل وسلَّم على الملك عبدالعزيز وقال: يا إمام أنا فلان الذي قلت له إن سمعت بي ظهرت فتعال، فرحب به الملك عبدالعزيز وأكرمه وأعطاه ما جعله في سعة من رزقه، فهذا الكريم الذي أعقب زيارته سعة في الرزق.
هذا ما أردت نقله من تراثنا العريق، ومتبعاً ذلك بصفات الضيفين الكريم واللئيم من خلال هذا المشهد التراثي، فالضيف الكريم ترى وجهه يشع بالكرم ويملأ المكان بذلك.. فترى محياه تعلوه أسارير التقدير والامتنان، ومهما قدم صاحب الاستضافة فهو كثير عنده ويشعره بذلك، ولا يعيب الطعام أو يتأفف منه.. وإشعار المضيف بأثر هذه الضيافة، مع الدعاء له، والضيف الكريم يقدر الدعوة بغض النظر عن الداعي وموقعه الاجتماعي أو الوظيفي. وأما الضيف اللئيم فهو يمن عليك بالموافقة على تلبية الدعوة ويذم الطعام ويبحث عن الأخطاء أو القصور ومحاولة نشر ذلك بين الآخرين.
أخيراً: فإن كان ضيفك كريماً.. فأنت في سعادة وسرور، وإن كان لئيماً فكن أكرم منه.
سعود بن عبد المحسن الشبانات