أنصح الشباب والشابات أن يقرؤوا سير الرجال الأفذاذ الذين شقوا طريقهم إلى النجاح عبر طرق وعرة مع حفاظهم على المبادئ والمثل، كما أنصح أولياء الأمور أن يحببوا ويوجهوا أبناءهم إلى قراءة السير الذاتية لأنها مصدر لفوائد جمة. والسير يقدم فيها كتابها حياتهم كاملة منذ الطفولة المبكرة حتى التقاعد من العمل، وغالباً ما تحوي السيرة أحداث ستين عاماً من حياة صاحبها.
ومن السير المحلية التي قرأت ووجدت أنها تتصف بالصراحة والمكاشفة سيرة الشيخ عبدالله بن عبدالمحسن الماضي أحد أعيان بلدة حرمة في محافظة المجمعة، وأحد الرجال المعروفين بالفضل والصلاح وذوي الصداقات الممتدة. عنون الشيخ سيرته ب(ذاكرة الزمن) وفيها حلق الشيخ في أفق سبعين عاماً بخيرها وقسوتها، وفي كل المواقف لم يبخل على القارئ بالحقيقة فجاءت الدروس صادقة بفائدة مباشرة للقارئ أياً كان سنه.
فمن عرف الشيخ عبدالله الماضي من وقت ليس ببعيد ظن أنه نتاج تربية في بيت غنى وبيئة دلال وحنان أضفاها عليه والديه وذويه لما يتصف بها من سماحة وكرم وتواضع واحترام للآخرين بصرف النظر عن أعمالهم أو مواقعهم الاجتماعية. ولكن الحقيقة التي لا يعرفها الكثير أنه عاش عيشة يتم بل عاش متنقلا مع والدته من مكان إلى آخر إلى أن التحق بالعمل بحثاً عن لقمة العيش. ولا يدرك قسوة اليتم إلا من عايشه، فذلك اليتم والمعاناة، إلى جانب تكوينه الشخصي، أوجدا من هذا الرجل شخصية فريدة في طموحها وتضحياتها وأثارها، فالطموح تجلى في المسار الوظيفي الذي سلكه عندما انتقل من عمله في وقت مبكر من حياته إلى عمله في وزارة الداخلية الذي قضى فيه بقية حياته الوظيفية، وعلى الرغم من أن تأهيله العلمي لم يتجاوز المرحلة الثانوية إلا أنه بشخصيته بصفاتها الأصيلة والمكتسبة استطاع أن يتفوق على غيره ممن يحملون الدرجات العلمية العليا ويتدرج في وظيفته إلى أن وصل إلى وكيل وزارة مساعد في وزارة الداخلية على المرتبة الخامسة عشرة. والتضحية واضحة فيما يعمله الشيخ في الوقت الحاضر من حرص على جمع عشيرته وتقوية الروابط بينهم، كما أن قصة رحلته إلى العراق قبل ما يقرب من ستين عاماً لإحضار قريبات له توفي والدهن بالرغم من صغر سنه خير دليل على تضحيته وهمته العالية. أما إيثار الغير فهي صفة يعرفها كل من جالس الشيخ وأقرؤوا في سيرته موقفه من قريباته ووالدتهن بعد أن أحضرهن من العراق لتعرفوا أنه ممن يؤثرون الغير على أنفسهم، وهذه صفة أصيلة في الإنسان لا يمكن أن يكتسبها من المعايشة أو المجالسة.
جعلت منه تلك المعاناة رجلاً يتحسس آلام الآخرين، ويشعر بحزنهم من جانب، ومن الجانب الآخر جعلت منه أديباً روئياً قصصياً بما تعنيه الكلمة من معنى، مع أن عمله يستهلك وقته إلا أنه بعد تقاعده نشر العديد من الأعمال منها كتابان قيمان، أحدهما عن سيرته الشخصية بعنوان (ذاكرة من الزمن، 1428هـ- 2007م)، والآخر عنوانه هو (خواطر وأحاديث للأبناء، 1430هـ-2009م) ويدور محتوى الأخير حول دروس كتبها بشكل قصص بعضها من خياله، وبعضها مبني على واقع، وأراد من كلا النوعين طرح دروس تعليمية بأسلوب قصصي يترك للمتعلم حرية الاختيار مبعداً عن منهج التوجيه المباشر أو الإملاء الذي لا يقبل في غالب الأحوال حتى وأن كان ايجابياً.
ولقد أورد الشيخ قصص عديدة في كتابه (خواطر وأحاديث للأبناء)، منها قصة روائية عن زواج المسيار أراد منها أن يقول للمقْدم على زواج المسيار مرد أمرك منكشف وعليك قبل الإقدام على هذا النوع من الزواج أن تكون مهيأ له عارفاً بمستلزماته؛ لأنه في حال كونك غير مهيأ سوف تدفع الثمن غالياً ساعة انكشاف أمرك، وانكشاف أمرك مسألة لا بد منها، فيروي: إن شخصا تزوج زواج مسيار ومن شدة ارتباكه بسبب عدم مناسبته لهذا النوع من الزواج، وقع في مشكلة مع شرطي المرور ليلة دخلته وأرد أن يعالج ذلك، ليكبر في عين عروسه بالتلفظ على رجل المرور ساعة انقلاب الإشارة إلى اللون الأخضر ليتمكن من الهروب، ولكنه من خوفه من زوجته الأولى إلى جانب إضماره التلفظ على رجل المرور ترك ناقل الحركة إلى الخلف، فعندما أصبحت الإشارة خضراء أطلق كلماته على رجل المرور، ثم حرك السيارة بقوة، ولكن بدلاًَ من أن تسير إلى الأمام لينجو بنفسه، ويكمل موقفه المفتعل، انطلقت إلى الخلف لتناطح السيارة التي خلفها والتي قد بدأت الحركة إلى الأمام فوقع تصادم عنيف بين قوتين مقابلين متحركتين في ذات الاتجاه. انتهي الأمر بتنازل رجل المرور عمّا قُذف به من كلام، وقيام التأمين بإصلاح الأعطال الناتجة عن التصادم.
المشهد الثاني يحدث مباشرة بعد انتهاء المشهد الأول فبدلاً من أن يذهب بعروسه إلى الفندق الذي حجز فيه ليلته ذهب بها إلى فندق لا علاقة له بالموضوع، فحدث أن أنكر موظف الاستقبال وجود حجز فبدأ العريس بقذف الكلمات الجارحة إلى أن تدخل المدير المسئول ليطلب ورقة الحجز، وبعد معينتها وجد أنها تتبع لفندق آخر، فأخبر العريس بخطئه فخرج يبحث عن فندقه الآخر وأكمل فيه يومه وليلته.
وبعد انطلاق الزواج بدأت غيرة زوجة المسيار، فأخذت تحاول المرة تلو المرة أن تترك الأمارات التي من خلالها يمكن للزوجة الأولى أن تعرف زواج زوجها عليها، إلا أن الزوج يبدي حذراً وحيطة ويحرص على تنظيف سيارته من أي شيء يمكن أن يدل على زواجه المسياري. ولكن قدر الله أن يكشف نفسه بنفسه نتيجة لارتباكه وعدم مناسبة شخصيته للزواج المسيار. وتأتي ساعة انكشاف أمره، فذات مرة كانت زوجته الأولى راكبة إلى جواره في سيارته وإذ به يلحظ فردة حذاء قريبة من قدمها فيظن مباشرة أن زوجة المسيار هي التي تركتها، فيغافل زوجته ويلتقطها، ثم يغافلها ثانية ويقذف بفرده الحذاء خارج السيارة، وعندما وصل إلى حيث يريد طلبت زوجته فردة حذائها وإذا به قد رماها خارج السيارة فوقع في حيرة، وبالتالي انكشف أمره وساءت حاله لأنه أقدم على أمر لم يكن أهلاً له.
من هذه القصة، التي اعتقد بأنها نتاج خيال اسقط على واقع، نكتشف أن من أبرز صفات شخصية الشيخ عبدالله الماضي الإحساس بضعف الغير وانكسار نفسه وتدني حالته، فكأني به يريد من هذه القصة أن يقول ارحموا النساء، فإما أن تتزوجوا بالإشهار أو أن تتركوا زواج نتائجه في أغلب الأحوال مدمرة لكلا طرفيه وربما تجاوزهم التدمير إلى الغير. فبناء مثل هذه القصة القصيرة يدل على كاتب يشغله الإحساس بآلام الآخرين. وأجزم أن هذه القصة تستحق أن تحول إلى مسلسل تلفزيوني بعدد من الحلقات.
ومن قراءة سيرة الشيخ عبدالله الماضي، أقول: إن دخول معترك الحياة في سن مبكر فرن يشوي شخصية الإنسان ويسخره ليمر في تجارب عديدة ومتنوعة تساهم في تكوين شخصيته لتجعلها شخصية قادرة على معالجة المشاكل وإيجاد الحلول والتحرز للمستقبل والاستقلالية والاعتماد على الذات وحسن معاشرة الآخرين والتبصر في الأمور والتدبر في نتائجها. وعليه فإن الحرمان في بعض الأحيان يساهم في خلق شخصية بتلك الصفات. وعندما نتمعن في سير الشخصيات التاريخية والقيادية والشخصيات الناجحة نجد أن عامل المعاناة، أحد أهم عوامل نجاحهم، فإما أن يكون الحرمان هو عامل المعاناة أو أن يكون اليتم وقلة الحيلة، أو أن يكون الفقر والحاجة، أو أن يكون نتاج ظروف مختلفة يجمعها الحرمان بمعناه الواسع.
وأخيراً، من المفيد أن تقرأ هذه السيرة فقارئها سيخرج بفوائد جمة لأنها سيرة رجل بدأ من الصفر وانتهى بين أفذاذ الرجال ووجهائهم، فهذه النقلة تجمع بين طياتها مواقف وعبر، قرأتها فوجدتها مدرسة يستنار بها بعيدة عن التصنع وافتعال المواقف وادعاء الأفعال.
د . عبد العزيز ابن سعود الغزي