Al Jazirah NewsPaper Sunday  31/01/2010 G Issue 13639
الأحد 16 صفر 1431   العدد  13639
 

سياحة في بيت
جرح الصاحب الغالي!

 

حداني عليه الغيظ والغيظ حد هلال

تطامى البحور وراح عن ديرته جالي

أنا اشهد شهادة حق ما يجرح الرجال

مثل كلمة تاتيه من صاحب غالي

المرحوم زيد بن غيام المطيري

والبيت الأول تمهيد للثاني, وتأسيس للفكرة, و(حداني) معناها أجبرني.. و(هلال) المقصود به (قبيلة بني هلال) المشهورة التي انتقلت من الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا قبل قرون عديدة, ومن أشهر قادتها أبو زيد الهلالي, وذياب بن غانم, (راع الشلفا).. وتطامى البحور: اجتازها, والجلاء: معروف وهو الابتعاد والهجرة.. و(كلمة تاتيه) المقصود بها الكلمة الجارحة.

والبيت الثاني هنا هو بيت القصيد, وهو موضوع سياحتنا اليوم, فهو من الأبيات الذائعة الصيت, ويعادل - وحده - قصيدة كاملة, وقد أصبح مثلاً سائراً يُتمثّل به عندما تحل المناسبة..

والبيت ارتكز على فكرة أخلاقية في المقام الأول, وهي استكبار الجرح, والتنبيه على إيغال إيلامه عندما يأتي ممن وصفه الشاعر هنا بأنه (صاحب غالي), وهذا الصاحب قد يكون حبيباً أو قريباً أو صديقاً.. فالجرح من الغالي يمثل جرحين, جرح الفعل, وجرح المفاجأة المؤلمة ممن لا يتوقع منه الفعل.. و(الغالي) لا يمكن الرد عليه بالمثل, لأن القلب يرفض, وأطياف الود تحول دون ذلك, وقديماً قال الشاعر المصري إسماعيل صبري:

إذا خانني خلٌّ قديمٌ وعقّني

وفوّقت يوما في مقاتله سهمي

تعرّض طيف الود بيني وبينه

فكسّرت سهمي وانثنيت ولم أرمِ

وطيف الود في بيت صبري حال دون الانتقام من صديق فما بالك بحبيب؟

والبنية العقلية للعربي الأصيل, لا تزال بنية أصيلة فطرية, تقدس الأخلاق, ممثلة بالصدق ومراعاة الأصول في التعامل, وهو ما يسمونه اختصاراً (المرجلة), وكل فعل ينافي الأصول هو بالضرورة عنده ينافي المرجلة, فكأنما (المرجلة) و(الأصول) اسمان لمسمى واحد.. والمرجلة ليست خاصة بالرجل, بل حتى المرأة توصف أفعالها بال (مرجلة) أحياناً, لأن اللفظ انتقل من معناه الأصلي إلى معنى فرعي عن طريق (التطور الدلالي).. ومن هنا يتأكد أن (المرجلة) ليست مرادفاً (للذكورة), لأن المرجلة مصطلح أخلاقي, والذكورة مصطلح جنسي..

والشاعر هنا يقرر بصياغة حلوة, وعن طريق الحصر والتأكيد أن الكلمة الجارحة عندما تصدر من صاحب غالٍ, تكون أقوى إيلاماً للرجل, وقال (الرجّال), ولم يقل الإنسان أو الشخص, أو الواحد.. أو غير ذلك, ليؤكد على مسألة المرجلة التي أشرنا إليها قبل قليل.

والمرء تجرحه أشياء كثيرة, لكن الشاعر هنا تناسى كل الأشياء الأخرى الجارحة, وركّز على ال (كلمة) الجارحة الصادرة من عزيز, لأن فعلها في نفسه أعمق, ولأن ألمها يتجاوز المادي إلى المعنوي, فشعور الإحباط الناتج عنها مؤلم جداً, وخصوصاً عند المحب, قال عبد الإله المطرف:

بعض الجروح إن جت من أغراب عادي

الجرح موت الجرح لا جاء من أحباب

وقال آخر:

الجرح وإن جانا من الناس عادي

مير البلا والموت من جرح الأحباب

وجرح الأحباب قد يأتي من كلمة جارحة, أو من صدود أو هجران.. أو نحو ذلك, وهذا النوع من الجروح هو ما وصفه متعب التركي بقوله:

ما كل جرحٍ لا خذ أيام يبرى

بعض الجروح يزيد شره مع الوقت

والذي يزيد شره مع الوقت ما هو إلا جرح الحبيب الغالي, والحبيب الغالي أحد أنواع (الصاحب الغالي) الوارد في بيت ابن غيام.

عبد العزيز بن حمد القاضي


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد