تتواصل الجهود الحثيثة لمركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باسطنبول (إرسيكا) في الأعمال البحثية، والتوثيقية، والنشر المميز لما يخدم تاريخ الإسلام وحضارته وتراثه. وهذا ما جعل المركز في مقدمة المراكز البحثية المعنية بالتاريخ الإسلامي، ليس على مستوى دول منظمة المؤتمر الإسلامي فحسب، بل على مستوى العالم. ومن الأعمال الجديدة والجليلة للمركز، إصدار دراسة محققة لنسخة المصحف الشريف المنسوب إلى سيدنا عثمان بن عفان (رضي الله عنه) المحفوظة في المشهد الحسيني بالقاهرة. وتم تمويل هذه الدراسة والتحقيق والطباعة بتوجيه كريم من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وبمتابعة من سمو الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث. قام على هذه الدراسة والتحقيق الأستاذ الدكتور طيار طيار آلتي قولاج، وهو المعروف بأبحاثه ودراساته في العلوم القرآنية والدراسات الإسلامية. وسبق هذا العمل دراسة وتحقيق للمصحف الشريف المنسوب إلى سيدنا عثمان بن عفان والمحفوظة نسخته الأصلية في متحف طوب قابي سراي باسطنبول، والذي صدر مطبوعاً بالحجم الطبيعي مع دراسة أكاديمية مفصلة حوله في عام 2007م. وقد سبق أن نوهنا عن هذا العمل الكبير في مقالة نشرتها جريدة الجزيرة في عددها (12828) 2 من ذي القعدة 1428هـ - 12 - 11 - 2007م).
وعندما نستعرض هذه الدراسة للنسخة القرآنية المحفوظة في المشهد الحسيني بالقاهرة التي تنشر محققة لأول مرة، نجدها دراسة معمقة وتحقيقاً دقيقاً يليق بكتاب الله العزيز الذي كما قال تعالى:?إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ* لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ?
ويظهر هذا العمل في مجلدين بالحجم المتوسط بلغ عدد صفحاتهما (1091 صفحة). ويشتمل العمل على تقديم لمدير عام مركز إرسيكا الدكتور خالد آرن، ثم تمهيد بقلم المحقق الدكتور طيار آلتي قولاج، ودراسة مركزة جاءت في خمسة فصول (باللغتين العربية والتركية)، فالفصل الأول تناول الكتابة العربية ونشأتها، واشتمل على الموضوعات التالية:
1 - نبذة حول نشأة الكتابة العربية ومراحل تطورها.
2 - الكتابة العربية بعد ظهور الإسلام.
3 - الزعم بأن خط المصحف ورسمه توقيفي.
ويتناول الفصل الثاني المصاحف الأولى والرسم العثماني ويركز فيه المحقق على:
1 - وضع الآيات القرآنية بين دفتين (إعداد المصحف الأول).
2 - مصاحف سيدنا عثمان.
3 - بعض خصائص الرسم العثماني.
4 - حكم التوافق مع الرسم العثماني في كتابة المصاحف.
5 - الزعم بأن مصاحف عثمان تحتوي على أخطاء إملائية ونحوية.
6 - نظرتنا إلى الجدل حول الرسم العثماني.
أما الفصل الثالث فيشتمل على تساؤل عن (ما هو الإملاء اللازم اتباعه في كتابة المصاحف وطباعتها؟) ويناقش الآتي:
1 - هل يمكن تحديد ملامح الرسم بشكل تام؟
2 - اقتراح نظامين للإملاء في كتابة المصحف وطباعته.
3 - منهج هيئة تدقيق المصاحف في تركيا ورأي المحقق فيه.
4 - أعمال النقط والشكل في المصاحف.
ويتناول الفصل الرابع (المصاحف المنسوبة إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه) وهي:
1 - مصحف طشقند.
2 - مصحف طوب قابي.
3 - مصحف الآثار التركية والإسلامية باسطنبول.
4 - مصحف القاهرة (نسخة المشهد الحسيني).
5 - مصحف لندن (المكتبة البريطانية).
6 - مصحف سانت بترسبورغ.
7 - مصحف باريس (المكتبة الوطنية).
8 - مصحف الملك فهد (المطبوع).
وتناول المحقق في الفصل الخامس بعض المصاحف المنسوبة إلى سيدنا علي بن أبي طالب. وأشار المحقق باستفاضة إلى مصحف صنعاء المحفوظ في (دار المخطوطات)، والكنز النفيس الذي ظهر في مسجد صنعاء الكبير بعد انهيار سقفه عام (1385هـ - 1965م)، حيث تبين وجود مخزن كبير مملوء إلى آخره بصائحف الرق المكتوبة بالخط الكوفي. ونوه المحقق إلى مصاحف أخرى منسوبة إلى الإمام علي (رضي الله عنه) المعروف نسخ منها في عددٍ من دور الكتب والمخطوطات والمتاحف في عددٍ من البلدان.
ويختم المحقق في دراسته بتوضيح المنهج الذي اتبعه أثناء العمل على النص، ووضع جداول توضح الفروق بين مصاحف عثمان بن عفان الأصلية والمصاحف المنسوبة إليه، ثم مصحف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في صنعاء. كما وضع قائمة وافية بالمصادر والمراجع العربية والتركية والأفرنجية المرتبطة بالقرآن الكريم وعلومه.
ولا بد من التنويه أيضاً بأن المحقق والباحث (الدكتور قولاج) يقدم لنا معلومات دقيقة عن قصة هذا المصحف المنسوب إلى سيدنا عثمان (موضوع هذه الدراسة).
فقد علم بوجوده لأول مرة عام 1367م، وأن المصحف كان محفوظاً في خزانة الكتب الخاصة بالمدرسة الفاضلية التي أقامها في زمن الأيوبيين القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني العسقلاني (ت. 596هـ - 1200م) ثم جرى نقله إلى القبة التي أمر بإنشائها سلطان الممليك أبو النصر الملك الأشرف قنصوه الغوري (ت.922هـ - 1516م) وصنع للمصحف جلد خاص في عام 874هـ (1469م).
وفي عام 1305هـ(1887 - 88م) جرى نقل المصحف إلى المشهد الحسيني، وظل محفوظاً في داخله حتى سنة 2006م عندما نقل إلى المكتبة المركزية للمخطوطات الإسلامية من أجل ترميمه وإصلاحه. وقد فصل المحقق في المعلومات عن المصحف الذي يتكون من 1087 ورقة مختلفة في مقاساتها وسماكتها، ونوع المداد وغير ذلك من التفاصيل عن الحالة الشاملة للمصحف.(ص ص:133 - 145).
وسيجد الباحثون والمهتمون بالدراسات القرآنية، رحلة جميلة في قراءة مخطوطة المصحف، ورقة ورقة، وسيتبين لهم جهد المحقق في تقديم النص القرآني المخطوط لكل صفحة أسفل كل ورقة مصورة، حيث يقدم القراءة الكاملة للآيات المدونة في الورقة المخطوطة، وبالإملاء المستخدم، والمحافظة على السطور كما هي، مع وضع شروحات وتعليقات في الهامش عن القراءات وفروقاتها في المصاحف المنسوبة إلى الخليفة عثمان بن عفان (رضي الله عنه) والمصحف المنسوب إلى الخليفة علي بن أبي طالب.
وهناك بعض الأمور المهمة الجديرة بالتنويه كما يلخصها المحقق ومنها:
1 - (ان هذه المصاحف كلها تقريباً قد وصلتنا من النصف الثاني من القرن الهجري الأول أو من النصف الأول من القرن الهجري الثاني، أي من العصر الأموي).
2 - (إن لهذه المصاحف ارتباطاً بالمصاحف التي أرسلها عثمان بن عفان (رضي الله عنه) إلى الأمصار) وهي مصاحف: الكوفة والبصرة والمدينة والشام، أي أنها كتبت من تلك المصاحف أو من نسخ أخرى منقولة عنها.
3 - يستنتج المحقق (أن هذه المصاحف تختلف كثيراً فيما بينها من ناحية المقاسات وعدد الأوراق وعدد الأسطر ونظامها، أي أن كتابها لم يتأثروا ببعضهم بعضاً في هذه الأمور، ومع ذلك فهي لا تختلف فيما بينها قط، سواء كان من ناحية نظام السور والآيات الموجودة فيها أم كان من ناحية الترتيب).
4 - (تتميز المصاحف بوحدة في النص من أولها لآخرها. فكيفما كتبت آية في واحد منها فهي مكتوبة بالشكل نفسه في بقية المصاحف دون فرق من الفروق. وإن كانت توجد بعض الفروق الإملائية غير المهمة من ناحية المعنى في بعضها فإنها سهو من الكاتب، بسيط ومحدود جداً ولا يحمل أهمية تُذكر من ناحية محفوظية القرآن العظيم).
ويخلص المحقق بقوله: (إذاً يجدر بنا أن نقول وبكل طمأنينة بإيجاز: إن هذا الكتاب الذي أتيحت لنا فرصة دراسة نسخه التي وصلتنا منذ ثلاثة عشر أو أربعة عشر قرناً لم يقتصر حفظه على صدور الحفاظ وأصوات المقرئين في كل الأصقاع وعلى مر العصور، وإنما يوجد اليوم بين يدي إنسان القرن الحادي والعشرين في وثائق دونت في عهد يقرب كثيرا من عهد جيل الصحابة وربما كان بعضهم حيا يرزق (ربما كتب بعضها بيد أحد الصحابة) وفي مناطق مختلفة. فيا لها من خاتمة عظيمة. فهل يمكن الحديث عن مثال آخر يشبهه في تاريخ البشرية؟ وهل يمكن للعقلاء أن يتصوروا وجود رسالة أهم من الرسالة التي قدمتها لنا تلك المصاحف؟ وهل يمكن أن يكون هناك مصدر للطمأنينة والسعادة أكبر من هذا في نظر المؤمنين بهذا النظام المبارك؟ ما أسعد من يعيشون هذه الطمأنينة حتى الارتواء، وما أسعد من يعملون لتحقيق ما تقتضيه تلك الطمأنينة...)
وأخيراً فإن مركز إرسيكا سيواصل الجهود الحثيثة بدعم من قيادات العالم العربي والإسلامي، والمخلصين من محبي عمل الخير، وبمتابعة مباشرة من معالي أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي البروفيسور أكل الدين إحسان أوغلي، وأعضاء مجلس إدارة المركز. ونحن موعودون إن شاء الله بالمزيد من الدراسات والأبحاث القادمة وفي مقدمتها دراسة وتحقيق ونشر لمصحف صنعاء.
وأحسب أن هذا العمل الجليل سيشكل مع ما سبقه من إنجاز وما سيتلوه، مصدراً معلوماتياً مهماً للدراسات القرآنية وحضارة الإسلام. ولعل المؤسسات التعليمية في عالمنا الإسلامي عليها مسؤولية كبرى للاستفادة من هذه الأعمال التي طالما انتظرناها، لغرس المفاهيم الإسلامية والتربوية بالقرآن العظيم.
شكراً وألف شكر لسمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على دعمه السخي، وشكراً لفريق العمل الذي قام بإخراج هذه الدراسة وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور طيار آلتي قولاج ولمدير عام المركز الدكتور خالد آرن.
قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: آية 9).
(*) عضو مجلس إدارة المركز
(alrashid.saad@yahoo.com)