من المتلازمات التربوية التي أضحت اليوم وكأنها مسلَّمات مع نهاية كل فصل أو عام دراسي هو ما يتعلق بالاختبارات وما يدور في فلكها من إجراءات نظامية حتى إظهار النتائج إما إيجاباً ممثلاً في تحقيق النجاح فيفرح من يفرح، أو سلباً ممثلاً في الإخفاق فيحزن من يحزن، وهكذا دواليك بين الناس في مثل هذا الإطار الحياتي. ولعلنا قبل الولوج في دهاليز هذا الموضوع أن نتعرف أولاً على ماهية هذه الاختبارات؟ فمن التعاريف المقتضبة التي وردت بشأنها قول العالم (جورو) أنها - أي هذه الاختبارات - عبارة عن أداة تستعمل للإجابة عن السؤال الآتي: هل حقق التلاميذ الهدف المطلوب منهم؟ فيما عرفها آخرون بأنها عبارة عن مقياس لضبط معارف الطلاب ومعلوماتهم في موضوعات محددة إثر تعلّم تلقوه في فترة زمنية معينة. أما بالنسبة لأول مَن استعملها كأداة للقياس فتشير المصادر التاريخية إلى أن الصينيين هم أول من استعملها في هذا الصدد، وذلك قبل الميلاد بألف سنة، تلاهم اليونانيون القدماء، ومن ثم بقية بلدان العالم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي؛ ما يدل على أن هذه الاختبارات قديمة النشأة، وأنه مهما قيل عنها من أنها أداة يكتنفها شيء من العيوب إلا أنها ستظل الأداة الأفضل بحسب رأي كثير من علماء التربية وعلم النفس وغيرهم من المفكرين، ولاسيما إذا ما تمت هذه الاختبارات وفق معايير محددة وواضحة تقيس فعلاً ما يراد قياسه. من جهة أخرى ومع أن هذه الاختبارات لم تكن كسابق عهدها من الحدة والشدة إلا أن أكثر الطلاب والطالبات في معاقل الدراسة لا يزالون يتخوفون منها وبنسبة كبيرة لشعورهم بأن الإخفاق فيها ربما يقودهم إلى الفشل وضياع المستقبل. وحتى نخرج من هذه الدائرة السوداوية للاختبارات يجدر بنا أن نقول ومن على هذا المنبر المتميز بالصدق والموضوعية إن الاختبارات مهما اختلفت في مستوياتها لتقييم الطلاب أو الطالبات فإنه لا بد أن يصاحبها قلق وتوتر في أغلب الأحيان، وهذا ما قد يشعر به كل من يدخل اختباراً حتى لو لم يكن طالباً في مدرسة أو جامعة وإنما مجرد اختبار تقييمي في دورة تربوية أو تدريبية. غير أن سبل التخلص من هذا القلق والتوترات وما قد ينجم عنها من انتكاسات صحية أو نفسية جزئياً وليس كلياً حيث يصعب ذلك، يكمن في أن تتم هذه الاختبارات في أجواء عادية وبمنأى عن التضخيم الزائد أو بسط النفوذ لأكثر مما يجب كما يلاحظ ذلك من خلال قاعات الاختبارات كحركة بعض الملاحظين المتلاحقة أو المتناغمة أو دخول الإداريين على نحو متعاقب ومثلهم بعض المشرفين المكلفين بالمتابعة وغير ذلك من الممارسات الأخرى غير المناسبة في هذا الاتجاه، إضافة إلى ما ينبغي لهؤلاء الطلاب والطالبات من الطمأنينة وعدم الخوف وتبيان لهم أن هذه الاختبارات القصد منها القياس فقط لما تعلموه أو درسوه وليس تعجيزهم من أجل الحيلولة دون تحقيق للنجاح المؤمل لهم وما يعول عليه من تقدم أكاديمي أو تحقيق أهداف أخرى حياتية يتطلعون إليها مستقبلاً كالحصول على وظيفة مثلاً. ناهيكم أيضاً عن ضرورة إشعار هؤلاء الطلاب والطالبات بأن هذه الاختبارات ليست مطية للفشل في الدراسة إذا ما جدوا واجتهدوا في دروسهم وأدوا واجباتهم أولاً بأول، وإنما الفشل الدراسي هو ما يكون ناتجاً عن إهمال أو تقصير قد اقترفوه إزاء دراستهم، هذا من ناحية، كما أن الفشل في الدراسة ليس بالضرورة أن يكون شاملاً لكافة جوانب الحياة إذا ما أخذنا في الاعتبار ما يتمتع به كل إنسان على هذه البسيطة من قدرات عقلية متنوعة ومتفاوتة، وهذا من ناحية ثانية. فبينما يفشل طالب أو طالبة في دراستهما أو في نشاط حياتي معين ربما ينجحان أو يتفوقان في جوانب أخرى عديدة أو يبدعان فيها، وهكذا فالمسألة إذن ليست على هذا النحو من التعقيد قياساً لما يتمتع به الإنسان الواحد من قدرات عقلية وجسمية كثيرة ومتنوعة، التي منحها الله جلّت قدرته لكافة عباده من أجل عبادته وإعمار الأرض. ولأن أبناءنا الطلاب والطالبات هم الآن قاب قوسين أو أدنى من موعد إجراء الاختبارات النهائية في الوقت الذي يتطلع فيه عموم الآباء والأمهات إلى نتائج طيبة ومفرحة لجميع أبنائهم من البنين والبنات فإنني أتمنى من كافة المعنيين بأمر وضع أسئلة هذه الاختبارات مراعاة ما يأتي:
1- أن تكون الأسئلة شاملة لكافة الموضوعات المقررة على الطلاب والطالبات، وأن يتجسد فيها القياس الحقيقي الذي يقيس مختلف الجوانب المطلوبة من هؤلاء الطلاب والطالبات؛ حيث لا تتوقف عند حد استظهار ما يتذكرونه من معلومات ومن ثم تدوينها على ورقة الإجابة لهدف تحقيق النجاح دون غيره من الأهداف التربوية الأخرى، وإنما تتعداها إلى قياس مقدرتهم على الفهم وحل المشكلات.
2- أن يراعى في الأسئلة تحقيق مبدأ الفروق الفردية بين الطلاب والطالبات، فضلاً عن أمور مهمة للقياس كالموضوعية والصدق والثبات، ويقصد بالثبات هنا هو عدم اختلاف نتائج المختبرين فيما لو كرر عليهم نفس الاختبار في وقت لاحق. في حين يعني الصدق، الذي يسمى أحيانا صدق المحتوى، قياس ما يراد قياسه فعلاً. أما الموضوعية فتعني عدم تأثر النتائج بشخصية المصحح أو المصححة.
3- أن تشتمل الأسئلة على العديد من الفقرات المتنوعة ما بين الموضوعية والمقالية؛ حيث لا تقتصر على ملء الفراغ أو الصواب والخطأ أو بعض من الأسئلة المقالية دون سواها من الأسئلة الأخرى كالمزاوجة أو المقابلة أو الترتيب أو الاختيار من متعدد؛ وذلك بهدف إتاحة الفرصة أمام الطلاب والطالبات للإجابة عن أكبر قدر ممكن من الأسئلة. فلقد أشارت بعض الدراسات في هذا الخصوص إلى أن تنوع الأسئلة وتعدد فقراتها غالباً ما يتحقق معهما صدق الاختبار والعكس صحيح.
4- أن تتدرج الأسئلة من السهل إلى الصعب، ووفقاً أيضاً لنسق معين تاريخي أو عملي، وأن تصاغ في ذات الوقت بشكل واضح ولغة سليمة لا لَبْس فيها ولا غموض، إلى جانب تحقيق عنصر التشويق فيها ما أمكن.
5- أن يراعى عند وضع الأسئلة الوقت المحدد لاختبار كل مادة دراسية، إضافة إلى التعليمات الضرورية للطلاب والطالبات بهدف مساعدتهم على كيفية الإجابة عن هذه الأسئلة بشكل واضح وصريح إلى جانب أيضاً وضع الدرجة المستحقة أمام كل فقرة أو سؤال، وكذلك البيانات المتعلقة بالعام أو الفصل الدراسي والصف والمادة الدراسية والزمن المحدد للإجابة، مع ترك فراغ للطالب لكي يكتب اسمه بنفسه.
6- أن تحاط الأسئلة بالسرية التامة من قِبل معديها من المعلمين والمعلمات ومن له الحق أيضاً في الاطلاع عليها من المديرين والمديرات، إضافة إلى المحافظة على ما تم تخزينه منها داخل جهاز الحاسب الآلي.
7- أما عند التصحيح فيحسن بالمعلمين والمعلمات أن يبدؤوا أولاً بأخذ عينة من أوراق الإجابة للطلاب أو الطالبات ومن ثم قراءتها بهدف الوقوف الفعلي على مستوى إجاباتهم بشكل عام، وهي الخطوة التي أرى ضرورتها مسبقاً لتقدير الدرجة المناسبة لكل سؤال، على أن يأخذ هذا التقدير للدرجات منحى التناسب الطردي؛ حيث تكون الدرجة الأكبر من نصيب الإجابة الأقل سهولة وعكسها بالنسبة للإجابة السهلة، ولاسيما أن الاختبار ليس العبرة منه هو تحقيق النجاح من عدمه فقط بقدر ما هو مؤطر حثيث ومنظم لمعرفة مقدار ما تعلمه واستوعبه الطلاب والطالبات من دروس وموضوعات مقررة عليهم ضمن أهداف وغايات ينشدها المجتمع وانعكاس ذلك على مجرى حياتهم العلمية والعملية. ولكي نحقق السكينة والهدوء النفسي وراحة البال لأبنائنا الطلاب والطالبات فإن أفضل طرق لذلك هو التخلص من السلبيات الآنفة الذكر، إضافة إلى الأخذ بالأسلوب العلمي عند وضع الأسئلة، مع الأخذ في الاعتبار أيضاً مدى أهمية النظرة الشمولية لعامة الطلاب الطالبات من حيث تحقيق العدل بينهم ما أمكن؛ فمن الملاحظ في بعض السنوات الماضية أن هناك من المعلمين على وجه الخصوص - وبحكم عملي الميداني - من تكون أسئلتهم سهلة للغاية، في حين تجد من بعضهم من يعمد بقصد أو غير قصد لتضمين أسئلتهم أنواعاً من الفقرات الصعبة المتناهية؛ الأمر الذي يترتب عليه وقوع الظلم على بعضهم؛ فحيث يحرم طالب أو طالبة من الحصول على نسب أو تقديرات عالية تمكنهما من دخول كليات معينة يسعيان إليها، ربما تجد بالمقابل زملاء لهم من مدرسة أخرى في قرية مثلاً قد ساعدهم التقدير المرتفع الذي ربما تحصلوا عليه من واقع أسئلة سهلة لدخول كليات لم يحلموا بالانتساب إليها على الإطلاق، وكل ذلك ناتج من هذه المفارقات المختلفة وغير المقننة في وضع الأسئلة. أما فيما يتعلق بالغش في الاختبارات فأكاد أجزم بأنه ليس من السهولة بمكان القضاء عليه البتة، ولكن فيما أعتقد أن أفضل طريقة لتقويضه يكمن فيما ينبغي القيام به نحو الطلاب والطالبات من الاهتمام البالغ والتوجيه والمتابعة المستمرة من قِبل البيت والمدرسة؛ بهدف الدراسة والحرص عليها منذ بدء العام الدراسي، فضلا عن تبصيرهم وتوعيتهم بمدى ضرر مثل هذا السلوك غير السوي على حياتهم العلمية وعند خوضهم معترك الحياة، وأن هذا السلوك الخاطئ - وهو ما يجب أن يدركوه يقيناً - محرم بنص الحديث كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا). فإذا ما تحقق هذا المطلب، إضافة إلى ما قد يواجهونه من صعوبات في بعض الأسئلة والعمل على تفاديها - فإن هذا ربما يساهم كثيراً في الحد من هذه الظاهرة التي غالباً ما يلجأ إليها أولئك الطلاب أو الطالبات ممن أهملوا في دراستهم حقيقة. سائلاً في الختام العلي القدير للجميع التوفيق والسداد.