حث الله عباده على العفو فقال سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) سورة الأعراف(199)، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) سورة آل عمران(134).
إن الرحمة في قلب العبد تجعله يعفو عمن أساء إليه أو ظلمه، ولا يوقع به العقوبة عند القدرة عليه، وإذا فعل العبد ذلك كان أهلاً لعفو الله عنه، يقول الله تعالى: )وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة النور(22)، وقد نزلت هذه الآية عندما حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح لأنه من الذين اشتركوا في إشاعة خبر الإفك عن عائشة -رضي الله عنها- وقد كان الحلف عقوبة من الصديق لمسطح فأرشد الله إلى العفو بقوله: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) ثم ألمح الله في آخر الآية إلى أن من يعفوا عمن يسيء إليه فإن الله يعفو عنه: (أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) وقد ورد عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: (بلغنا أن الله تعالى يأمر منادياً يوم القيامة فينادي: من كان له عند الله شيء فليقم فيقوم أهل العفو فيكافئهم الله بما كان من عفوهم عن الناس).
والإسلام هنا يريد من أبنائه أن يكونوا دعاة للإسلام بأخلاقهم الحميدة من أجل ذلك دعاهم إلى العفو حتى عن الكافرين في حال إساءتهم على المستوى الشخصي: (قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ) سورة الجاثية(14)، ولقد كان تعامل المسلمين بهذه الأخلاق السامية مع غير المسلمين سبباً لإسلام كثير منهم وأسوة المسلمين في هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: كأني أنظر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
وفي هذه المقدمة التي أستند بها إلى حث الدين القويم على العفو والصفح فإنه وخلال أيام قلائل مضت قررت أسرة كريمة من أسر مجتمعنا المتسامح الطيب الكريم التنازل عن قاتل ابنها لوجه الله تعالى دون مطلبٍ أو شرط، تلك الأسرة التي ابتغت من وراء ذلك مرضاة الله تعالى هم أبناء الشيخ دخيل الله الغليمي الرشيدي الشراري التي أعلنت عفوها عبر عدة صحف في مقدمتها صحيفتنا هذه جعل الله عفوهم هذا في موازين حسناتهم وأن يرحم ميتهم اللهم آمين إنه سميعٌ مجيب الدعاء، وهذا الأمر إن دل فإنما يدل على صدق الإيمان ونبل القيم والسجية والمروءة والسماحة والشهامة وهذا غير مستغرب على مجتمعنا السعودي النبيل حيث إن ولاة أمرنا يحفظهم الله ما يفتأون أن يحثوا المجتمع بكل مناسبة وفي كل حين على التسامح والصفح ونبذ الكراهية وعدم الغلو في هذه الأمور وتكليف الغير ما لا يطاق فإن البعض هداهم الله جعلوا الدم سلعة تقاس بملايين الريالات يساومون عليها الطرف المقابل حيث ينجو شخص بعد دفع هذه الملايين لأهل القتيل وتهلك قبيلة بسببها وهذا مناف لقيم وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف وتحقير لقيمة دم الإنسان (فمتى كان دم الإنسان سلعة تباع وتشترى فاصفح هداك الله فإن الصفح من شيم الكرام) كما أن الشاعر يقول (يستوجب العفو الفتى إذا اعترف وتاب عما جناه واقترف)، وهنا ومن خلال هذه الأسطر البسيطة نرجو ممن ابتلاهم الله عز وجل بمثل هذا الامتحان أن يعينهم الله ويثبتهم على الحق وأن يرشدهم إلى تحكيم العقل والصواب لأن ما حصل قد حصل (لا راد لقضاء الله سبحانه وتعالى إلا هو) واليوم ندمٌ وبكاءٌ وألم على ما حدث فلِما لا يحتسب ذلك أجراً ومثوبة عند الله عز وجل كي يدعو الناس جميعاً لميتك بالرحمة والمغفرة والجنة ولله على حسن صنيعك بمثلها وأن يعوضك الله بالدنيا عن صبرك واحتسابك خيراً.
- القريات