Al Jazirah NewsPaper Monday  01/02/2010 G Issue 13640
الأثنين 17 صفر 1431   العدد  13640
القناعة كنز لا يفنى
منصور إبراهيم الدخيل

إن المدينة الحديثة عند الكثير من الناس لم تكن مقنعة لهم في الحصول على المادة مهما كان مستوى دخلهم المادي، فتجدهم يتذمرون ولديهم الرغبة الملحة في الحصول على المادة ويستخدمون شتى الأساليب لعلهم يظفرون بحفنة من الريالات، ولا يفوتون الفرصة عليهم وإن تطلب ذلك أن يصلوا إلى أعلى رئيس منصب في الدولة لطلب المساعدة؛ لأن حب المال يمشي في عروقهم، ونسوا أنه أصبح مرضا ويتوقعون ممن التجؤوا إليهم لطلب المساعدة انهم مقدرون لظروفهم وأنهم مستحقون للمساعدة، وهم على العكس مدركين تصرفهم وتمثيلهم وهي لا تتعدى باب المجاملة التي يفترض من هؤلاء الذين يقصدونهم ممن ابتلوا بمرض التطفل والذل أن يدحضوا أكاذيبهم ويفوتوا الفرصة عليهم بانتقادهم، وأن أساليب المكر والخداع لا تنطلي عليهم لعلهم يستحوا ويخجلوا من أنفسهم ويقتنعوا بما حاباهم الله من خيرات، ولكن للأسف الشديد هذا لم يحدث ما يجعل الكثير من هؤلاء في ازدياد لأن السبل الموصلة إليهم سهلة ولا تحتاج إلى مشقة وعناء، فتجدهم في مجالس الأمراء والوزراء ورجال الأعمال يستجدون العون والمساعدة، وعلى العكس نجد أصحاب الحاجات الذين يعيشون ظروفاً مالية صعبة ينبذون هذا التصرف ولا يستسيغونه إطلاقاً ويعتبرونه مذلة على الرغم من حاجتهم إلى المال، وإن حصل لهم شيء منه فهو عادة يتم من خلال تحسس ممن هم محيطون بظروفهم وأحوالهم المعيشية الذين يقدمون لهم المساعدة مباشرة أولا عن طريق نقل أحوالهم وظروفهم إلى الذين يحرصون على مساعدة من يعيش مثل هذه الظروف، وفئة أخرى غير مقتنعين بوضعهم الوظيفي على الرغم من أوضاعهم الوظيفية الجيدة يحاولون بكل ما يستطيعون أن يستغلوا معارفهم والالتجاء إلى أساليب الواسطة والشفعة، لعلهم يتمكنوا من العمل في قطاع حكومي تتوافر فيه الإغراءات المادية الجيدة (البرستيج) الذي يجعلهم في تميز عن الآخرين وهذا في اعتقادي لا يبعد كثيراً عن الأول، لأن الإنسان يفترض أن يكون قنوعاً وأن يرضى بما قسم الله له وأن يكون سعيه في تحسين وضعه الوظيفي من خلال إخلاصه ومثابرته حتى وإن كان مهضوم حقه من قبل رؤسائه.

وأذكر بهذه المناسبة حالة موظف اتصف بالجد والمثابرة وكان رئيسه المباشر ينسب جميع أعماله وإبداعاته إليه والموظف المجد يعرف ذلك، ولكنه كان صابراً ولا يلتفت لهذا التصرف السيئ من رئيسه ويحدث نفسه ويقول إن الأيام سوف تكشف زيفه أمام مديره العام، وما هي إلا أيام وإذ بالمدير العام يسأل رئيسه المباشر عني ووضعي الوظيفي والأعمال التي أقوم بها وإذ به ينسب الأعمال التي أقوم بها إليه، وأن ما أقوم به من مهام محدودة جداً وصدفة دخل الموظف وهم يتحدثون عن أدائه الوظيفي فقال المدير العام ممكن أسمع منك ما هي الأعمال التي تقوم بها؟ وقمت على الفوز بتعدادها وسط دهشة من رئيسي المباشر الذي لم يستطع الرد لأن ما قلته عن الأعمال التي أقوم بها صحيحاً، وكان يتوقع أن المدير العام لن يسأل الموظف ويكتفي برأيه وهنا كانت قاصمة ظهر البعير، حيث غضب المدير العام وهزأه ونقله من وظيفته وجعلني رئيساً للقسم بدلا منه، وهذا التصرف من المدير العام يدل على حنكته الإدارية وتوظيف الحكمة في أدائه الإداري (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

أخي القارئ الكريم إن القناعة هي من موروثنا الثقافي والاجتماعي متى ما تعاملنا معها بروح صادقة سوف يتحقق لنا الأمن النفسي والمادي - بإذن الله - بعيداً عن هذه الأساليب الملتوية.

*مكتب التربية العربي لدول الخليج



صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد