كانت لي مراجعة في أحد مستشفيات مدينة الرياض، وكان موعدي في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، وقد كنتُ هناك تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً، وعند وصولي سلمتُ ورقة الموعد إلى موظف الاستقبال الذي استلمها مشكوراً، ولكن ما أن مسكت يداه ورقة الموعد حتى تكلمت سيدة سعودية كانت تقف بالجوار قائلةً: إنني أقف قبل هذا الرجل بل وقبل الذي قبله دون أن يستلم أحدٌ مني ورقة الموعد؟ فقال موظف الاستقبال: المعذرة يا أختي ولكني ظننتُ أنكِ في النافذة المجاورة تخدمك موظفة الاستقبال. كما دافعتُ عن نفسي بالدفاع ذاته وهو ما كان حقيقةً، إذ من الظاهر أنها تقف بالنافذة المجاورة، وخلف النافذة المجاورة موظفة استقبال تعمل على الحاسب الآلي، فيظهر الأمر لأول وهلة أنها تُخْدَم من قِبلها.
ومن هذا الموقف لي عدة وقفات:
أولاً: ليس كل ما يظهر هو حقيقي، فالسيدة المشار إليها كانت تنتظر دورها في أن يتم أخذ ورقتها لاستلام موعدها، وكان أمامها موظفة استقبال تعمل بحيث يظهر للناظر أنها تُخدم وليس الأمر كذلك، بل كانت الموظفة في عمل آخر وكانت السيدة مهمَلة - إن صح التعبير - بين انشغال الموظفة عنها بعمل آخر وبين انشغال موظف الاستقبال بمن يقدم له ورقة الموعد دون أدنى مراعاة لمن وصل إلى النافذة أولاً. وعليه نستخلص أنه يجب عدم الاستعجال في اتخاذ القرارات وعدم الاعتماد على ما يظهر، فكم أدى الأخذ بظواهر الأمور إلى نتائج سلبية ندم عليها الجميع، وإنما الواجب التأني ومحاولة النظر إلى الأمور بعين بصيرة للوصول إلى واقع الأمر وحقيقته لا ظاهره!.
ثانياً: نحن مجتمع لا نراعي في معظم الأحوال «أسبقية الدور» وإنما نستخدم منهجية «من سبق لبق» أو بمعنى أصح «خلك ذيب» وتصرَّف بحيث تنتهي في أسرع وقت. ونلاحظ هذه المنهجية في حياتنا عامة وعلى مختلف الأصعدة، فنراها في الطرق «عند الإشارات» وفي الأسواق «عند المحاسبة» وفي الصيدليات وفي المستشفيات. باختصار في كل مكان لا تكاد تجد احتراماً ذاتياً للدور، وعندما أقول ذاتياً لأنك عندما تفرض الترتيب فإن الناس ينتظمون كما نشاهدهم في «المصارف البنكية» وما شابهها التي تستخدم الترقيم في خدمة العملاء. وسؤالي لماذا لا نرتقي بثقافتنا إلى التنظيم الذاتي؟ لماذا يجب أن نفرض النظام بدلاً من استخدامه بشكل اختياري وعلى نحو يطبق ثقافتنا الإسلامية التي تشجع على إعطاء الحقوق لأصحابها.
ثالثاً: وبمناسبة ذِكْر الحقوق أعجبني جداً موقف السيدة السعودية التي طالبت بحقها حين رأت أن حقها ينتهك من قبل الموظفين والمراجعين الذين تجاوزوها بحسن ظن أو بسوئه فالأمر سيان بالنسبة لها فهي قد غُيِّبت عن حقها، كما أنها عبّرت عن حقها بإنصاف مع الآخرين في عدم تجاوزها عليهم، وهنا تكمن البراعة في المطالبة بالحقوق بعدم الخروج عن الضوابط العامة.
ولو أننا تعلَّمنا هذا الأمر وعلَّمناه أبناءنا في المدارس لكان خيراً لمستقبل مجتمعنا، فليس يضرنا شيء كما يضر الإنسان نفسياً وصحياً أن تُنتهك أموره ثم هو مع ذلك لا يعبّر عن هذا الحق بل يكظمه على مضض، فلا هو الذي طابت نفسه وسمح للآخرين، ولا هو الذي عبر عن نفسه وأخذ حقه. كما أن السكوت يعزز الجانب السلبي في الخوف والتردد والاستكانة إلى الظلم في الشخص المعني، كما أنه يعزز الجانب السلبي في التمرد والاعتداء على حقوق الآخرين لدى الأشخاص الذين لا يراعون حقوق الناس ولا ينضبطون إلا بقوة النظام. وفي أحيان كثيرة لا نجد النظام (كما هي الحالة المذكورة في المقال) وإنما نعتمد على الحس الأدبي المرهف لدى الإنسان وهي بكل أسف مُفتَقَرة.
كثيرٌ منا متخصصون في الحقوق، والأكثرون يعلمونها بسبب قراءتهم واطلاعهم، ولكن ما فائدة هذه الثقافة المجردة إن لم نطبقها على أرض الواقع، ونجعلها أمراً ملموساً، وثقافة حية تطبق على مختلف جوانب حياتنا. إن العلم لم يأخذ منزلته الراقية إلا بسبب أثره على صاحبه، بتطبيق ما يعلم، فإن لم يكن له أثر كان وبالاً على صاحبه.
رابعاً: أعجبني أيضاً موقف موظف الاستقبال عندما اعتذر بكل لباقة وأدب واعترف بخطئه وفسَّر سببه للسيدة، وهي شجاعة لا تتوفر عند كل شخص، فكثير من الناس يميلون إلى تبرير أفعالهم ويمضون قدماً فيها، ولقد كان بإمكان الموظف أن يفعل الأمر ذاته، ولكنه غلَّب جانب إحقاق الحق، وتقديم من له الأولوية على من عداه، كما أنَّ في مجمل تصرفه اعترافٌ بحق السيدة وتفهمٌ لموقفها، مما يجعله يسيطر على الموقف بكفاءة واقتدار، ويعالج الأمر في وقته.
وأختتم مقالي بأني عندما سلمتُ ورقة الموعد لموظف الاستقبال لم أتمكن من الدخول إلى غرفة المعالجة إلا بعد تجاوز الساعة الثانية عشرة ظهراً! وأنا هنا أتساءل لماذا تتوافر في مستشفياتنا كل شيء إلا الالتزام بمواعيد المراجعة، علماً أنها سلاحٌ ذو حدين، فإن تأخر المريض أُلغي موعده - غالباً - وأعطي موعد بديل، وإن جاء في الموعد المحدد لم يدخل إلا بعد مرور وقت طويل!
– أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد وكيل قسم العلوم الإنسانية بكلية الملك خالد العسكرية
khalsubait@gmail.com