Al Jazirah NewsPaper Monday  01/02/2010 G Issue 13640
الأثنين 17 صفر 1431   العدد  13640
دعوى التأثم (من أسرار المحرضين)
د. علي بن شايع النفيسة

هذه الكلمة من الألفاظ التي يستخدمها المحرضون للشباب للانخراط في التنظيمات السرية المناوئة للأمن، ولدفعهم للخروج إلى مناطق الصراع بدعوى الجهاد أو نصرة المستضعفين، وهي كلمة ينطبق عليها أنها (كلمة حق أريد بها باطل)؛ فمضمونها دغدغة مشاعر الشباب بدعوى السلامة من الإثم المترتب على التقصير في نصرة إخواننا وأخواتنا المستضعفين في أرجاء المعمورة وكذلك التقصير في إنكار المنكر، وهذان وتران يدندن حولهما المحرضون للتأثير على الشباب معتمدين على إثارة عواطفهم بنصوص مبتورة وباستدلالات مغلوطة وبأشرطة وسيديهات قد عبث بها العابثون بالمؤثرات الصوتية والتصويرية بطرق ماكرة وحيل تنطلي على صغار السن والمتحمسين ممن يفتقدون التأهيل الشرعي وتحكمهم العواطف وظواهر الأمور.

ولنا وقفات مع هاتين المسألتين لنفي التأثم المزعوم بعقيدة راسخة تعتمد على النصوص الشرعية والأحكام الفقهية ومقاصد الشريعة السمحة التي تراعي المصالح والمفاسد وتهدف إلى تحكيم العقل والأخذ بالاعتبارات والضوابط الشرعية بهذا الخصوص.

فأقول وبالله التوفيق: بالنسبة لنصرة المستضعفين من إخواننا في أرجاء الأرض فإن هذا الأمر موكل إلى ولاة الأمر الذين لا يألون جهداً في هذا الشأن في جميع المجالات المتاحة سياسياً ودبلوماسياً وإغاثياً، وبما يرونه يحقق المصلحة ويدفع الضرر، وهذا كفيل بأن تبرأ به ذممنا؛ لأن الذي يملك النصرة وقد أوكلت إليه شرعاً هو ولي الأمر بما لديه من إمكانات ومعلومات يستطيع من خلالها تقييم الموقف وتقدير الأمور، ونحن رهن لأمره في هذا الشأن تديناً بما له من حق الطاعة علينا وبما تستلزمه البيعة التي في أعناقنا تجاهه.

أما فيما يتعلق بإنكار المنكر فله ضوابط شرعية سطرها المختصون من فقهاء الإسلام، أكدوا فيها ألا ينكر المنكر بمنكر أنكر منه وإلا يترتب على إنكار المنكر حدوث منكر أنكر منه. وإليك أخي القارئ حدود وضوابط تغيير المنكر باليد:

1 - ألا يحل بسبب تغيير المنكر باليد منكر أعظم وأكبر منه، أو تفويت معروف أعظم منه، والقاعدة الشرعية أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ ولهذا قيل «ليكن أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر».قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في مجموع الفتاوى: إذا تزاحمت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر. لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة؛ فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلّ أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام.

2 - أن يكون إنكار المنكر باليد سراً إذا كان صاحب المنكر متستراً ليس معلناً له، أما إذا أظهر المنكر فيجب الإنكار عليه علانية. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من فعل شيئاً من المنكرات، كالفواحش، والخمر، والعدوان، وغير ذلك، فإنه يجب الإنكار عليه بحسب القدرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فيلغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، فإن كان الرجل متستراً بذلك، وليس معلناً له، أنكر عليه سراً وستر عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ستر عبداً ستره الله في الدنيا والآخرة»، على ألا يتعدى ضرره، والمتعدي لا بد من كف عدوانه، وإذا نهاه المرء سراً فلم ينته فعل ما ينكف به من هجر وغيره، إذا كان ذلك أنفع في الدين.

3 - ألا يتجاوز الحد المشروع إن كان المنكر من المنكرات التي يمكن إتلاف بعضها وترك البعض الآخر.

4 - المنكر الذي يجب إنكاره هو المنكر المجمع عليه، وكذلك المنكر الذي ضعف فيه الخلاف وكان ذريعة إلى المحرم متفق على تحريمه. قال الحافظ ابن رجب: والمنكر الذي يجب إنكاره: ما كان مجمعاً عليه، فأما المختلف فيه، فمن أصحابنا من قال: لا يجب إنكاره على من فعله مجتهداً فيه، أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً.

5 - الرفق عند إنكار المنكر، وأن يكون المنكِر عالماً بما ينهى عنه. قال سفيان الثوري: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى».

قال صلى الله عليه وسلم: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما ينزع الرفق من شيء إلا شانه». قال الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - في شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: «ولا بد أن يكون عالماً بالمنكر، أي: عالماً بأن هذا منكر، فإن لم يكن عالماً بذلك فلا ينه عنه؛ لأنه قد ينهى عن شيء غريب هو معروف فيترك المعروف بسببه، أو ينهى عن شيء وهو مباح فيضيق على عباد الله، بمنعهم مما أباح الله لهم؛ فلا بد أن يكون عالماً بأن هذا منكر. وقد يتسرع كثير من إخواننا الغيورين فينهون عن أمور مباحة يظنونها منكراً فيضيقون على عباد الله؛ فالواجب ألا تأمر بشيء إلا وأنت تدري أنه معروف، وألا تنه عن شيء إلا وأنت تدري أنه منكر. علماً بأن هذا الأمر جزء من ولايات الدولة (ولاية الحسبة) قد أوكل ولي الأمر لهم هذه المهمة بآليات محددة ومتوافقة مع ما يحقق المصلحة ويدفع الشرور دونما فوضى أو تجاوزات تبنى على العواطف المجردة والمعلومات المغلوطة أو المبالغات المتشائمة المتشددة.فمن كان من غير أهل هذه الولاية الرسمية ورأى منكراً فعليه إبلاغ جهة الاختصاص لإزالة المنكر، وهنا تبرأ ذمته ولا يلحقه إثم حتى لو تأخرت إزالة المنكر لأسباب إجرائية وخلفيات قد لا يدرك أبعادها، وهذا أمر عام بدقائق الأمور وجسامها؛ فمناط التكليف بالأحكام القدرة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها».




صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد