رأس تنورة - عيسى الخاطر - تصوير - محمد درويش
في ليلة من ليالي الثقافة وبحضور رئيس النادي الأدبي في المنطقة الشرقية القاص جبير الملحيان وعدد من المثقفين وضمن فعاليات النادي الأدبي لهذا الموسم الثقافي 1431-1432هـ أقيمت أمسية أدبية لقاضي المحكمة العامة بمحافظة رأس تنورة فضيلة الشيخ أحمد الجعفري وذلك في قاعة الرومانسية بالمحافظة، حاضر فيها الشيخ الجعفري عن شعر الفقهاء.
وبدأت الأمسية التي أتقن مدير الأمسية عضو مجلس إدارة النادي الأستاذ عبد العزيز آل سليمان إدارتها بأسلوب جميل، حيث قدم نبذة عن الشيخ الجعفري وإسهاماته الأدبية، ثم تطرق آل سليمان في مقدمته إلى لمحة من تاريخ الشعر العربي وعلاقته بالفقه، ذاكراً أهمية الشعر لدى العرب قبل الإسلام واستمرار مكانته بعد ظهور الإسلام، مستشهداً على ذلك برواية الخلفاء الراشدين للشعر ونظمهم له وكذلك اهتمام بعض الصحابة بالشعر كعبد الله بن عباس الذي يرى أن شعر العرب يعين على فهم القرآن الكريم، كما استشهد آل سليمان برواية أم المؤمنين عائشة لديوان ابن أبي ربيعة. ثم بعد ذلك بدأ الجعفري محاضرته الشيقة وباستعراضه المتميز الذي نال استحسان الحضور قائلاً: إن فكرة المحاضرة جاءت خلال اطلاعه على كتب طبقات الفقهاء التي وجد فيها مقاطع من شعر الفقهاء أثناء مطالعته لسيرهم.
وأكّد الجعفري على أن وثاقة صلة الفقهاء بالشعر بسبب قوة تأثير الشعر في النفوس، مستشهداً بالقصيدة الشهيرة (قل للمليحة في الخمار الأسود) التي عارضها عدد من الشعراء من بينهم فقهاء كالقاضي الحسن بن علي التنوخي.
وأضاف أن المتتبع للحركة الأدبية لدى الفقهاء يلاحظ أن شعرهم يغلب عليه طابع الضعف وصار يضرب به المثل في ذلك فيسمى الشعر الضعيف (شعر فقيه) إشارة إلى ضعف الخيال والعاطفة فيه، وقال: إن بعض الفقهاء قال شعراً ركيكاً أساء فيه إلى الشعر لأنه دخل في مجال غير مجاله، مفسراً الأمر باعتماد الفقه على الدقة والدليل وليس الخيال والعاطفة.
إلا أن الجعفري نفي أن يكون هذا الحكم على إطلاقه مستشهداً بعدد من الأبيات والمقاطع لفقهاء تنمّ عن وجود الموهبة والقريحة الشعرية لديهم، كما هو الحال لدى الإمام الشافعي الذي كتب في الحكمة وغيرها من الأغراض الشعرية.
وتطرق الشيخ الجعفري في محاضرته إلى خصائص شعر الفقهاء كتأثر شعر الفقهاء بالصياغة اللغوية الفقهية، كما أن أغلب شعر الفقهاء هو مقاطع وأبيات قليلة تتحدّث عن موضوع واحد وليست قصائد طويلة كما في ديوان الشافعي.
وأضاف الجعفري أن شعر الفقهاء يتسم في غالبه أنه شعر تقليدي لا يحوي الكثير من الإبداع، ولا يتناول شعر الفقهاء كل الأغراض الشعرية التي يتناولها الشعراء، بل يقتصر على أربعة منها هي: الحكمة والغزل والوجدانيات ونظم القصائد التعليمية التي تهدف إلى تسهيل الحفظ والاسترجاع وتتميز قصائده بالطول ممثلاً بنونية ابن القيم التي يصل عدد أبياتها إلى ستة آلاف بيت.
واستشهد الجعفري في محاضرته بأمثلة من الشعر على الأغراض الشعرية التي تناولها الفقهاء، مبيناً أن الغزل هو من أقل الأغراض التي تناولها الفقهاء وإن كانوا لا يجدون فيه بأساً إذا كان شعراً عفيفاً لا يشهر بامرأة بعينها. وذكر أن شعر الفقهاء في الحكمة والتذكير أكثر بكثير من شعرهم في الغزل.
وعرض الجعفري لشعر القاضي عبدالوهاب المالكي في شعر الوجدانيات وشعر القاضي عروة ابن أذينة، وقال: إن من اللافت أن أكثر الفقهاء الذين كتبوا الشعر هم من القضاة.
وختم الجعفري محاضرته بالتأكيد على أن مسيرة الشعر مع الفقهاء مستمرة حتى العصر الحديث الذي برز فيه من شعراء الفقهاء الدكتور مصطفى السباعي عميد كلية الفقه بدمشق والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، مبيناً أن هذه الأمثلة تشير إلى أصالة علاقة الفقهاء بالشعر إلا أن الفقه سرقهم من الشعر فظلت الصرامة والجدية السمة الغالبة على أشعارهم لكونهم أقرب إلى الدليل والبرهان منهم إلى الخيال والشعور أن هذا لا يعني أن الفقهاء بلا قلوب إلا إذا قبلنا أن الشعراء بلا عقول لكونهم أقرب للخيال والشعور.
وفي جانب من المداخلات قال عضو مجلس إدارة النادي الكاتب خليل الفزيع مطالباً الجعفري بأن يمتع الحضور بقصائد الغزل، حيث إنها تلاقي استحسان الحضور وخصوصاً كبار السن.
وأضاف الفزيع ملاحظته أن أغلب الذين قالوا الشعر هم من القضاة وفي تصوري لكثرة اتصال القضاة بالناس بينما باقي الفقهاء منعزلون مع علمهم وفتاواهم واهتماماتهم الفقهية، القضاة تحديداً أكثر اتصالاً بالناس ومعرفة بمشكلاتهم ومعالجتها ولعل هذا من أسباب اهتمام القضاة بالشعر.