Al Jazirah NewsPaper Monday  15/02/2010 G Issue 13654
الأثنين 01 ربيع الأول 1431   العدد  13654
 

أفكارٌ في لحظة اغتراب

 

أنا من المتابعات لكتاباتك ومعجبة جداً بسعة أفقك وإدراكك للواقع، وسوف أدخل مباشرة لمشكلتي الغريبة نوعاً ما، أنا سيدة عمري خمسون ومتزوجة وعندي أولاد وبنات، ولكني لا أعيش متعة حياتي التي من حولي، فالأفكار الغريبة التي تراودني بين الحين والآخر تدمِّر نفسيتي .. أتمنى أني رجل ولست امرأة وأغبط زوجي على حريته وعدم خوفه من الخروج والاستئذان والاستهئزاء والاهتمام به عند خروجه ودخوله وسفره وسكنه في أفخم الفنادق، وهذه الأمور ليست مقتصرة على زوجي فقط ولكن لكل الرجال لأنهم ليسوا ملزمين بالطاعة (أستغفر الله) أفكار جنونية وأعترف لنفسي ولكن تعاودني فترات وخاصة إذا كان عندي مشاوير لتطوير ذاتي وخاصة بي فقط من محاضرات أو دورات وألزم بالاستئذان من زوجي أو طلب المادة وخاصة أنه مصروف لا يتناسب مع دخله ... ياليتك يا دكتور تسعفني بردك جعلها الله في ميزان حسناتك ورفع بها درجاتك في علييين ووالديك ووالدي والمسلمين.

ولك سائلتي الفاضلة الرد:

من الرائع أن يميط الإنسان اللثام عما يجمجم في عقله ويذيع ما في صدره ويعتلج في ضميره، وهذا لاشك أسلم لحياته وآخرته من كبتها وإبقائها قيد الأسر الداخلي، من عادات التفكير الخاطئة عادة مد النظر وتمني ما لدى الغير، وقد فطن العقاد - رحمه الله - لتلك الخلة البشرية حين قال: «عجباً لهذه الدنيا، الإنسان فيها لا يرضى حالاً واحداً أبداً، مهما كان حاله ...» وسطّر أبياتاً جميلة تحكي واقع البشر قال فيها:

صغير يطلب الكبر

وشيخ ودّ لو صغرا

وخالٍ يشتهي عملا

وذو عمل به ضجرا

ورَبُّ المالِ في تعب

وفي تعب من افتقَرا

ويشقى المرء منهزما

ولا يرتاح منتصرا

فهل حاروا مع الأقدار

أم هم حيروا القدرا؟!

والحياة أيتها الفاضلة لا يمكن أن تدار بتلك البساطة وبهذه النظرة القصيرة، فكونك امرأة فقد جعل الشرع لك من الحفاوة والرعاية والاعتناء الكثير والسعادة لا تقتصر على أين أذهب؟ وأين أسكن؟ ففضاؤها أرحب وضفاف شواطئها أكبر, وما ترينه قيداً لك وحاجزاً لانطلاقاتك هو من باب الحماية لك والتكريم وحسن الرعاية ويبقى هامش التحرك لديك كبيراً ولا يقتصر فقط على ما ذكرت, وقد ذكر أحد الأدباء قصة فتاة قد انقطعت عن أسرتها وكانت كثيراً ما تسمع صديقاتها يشتكين من القيود والحدود التي تضعه الأسر لبناتها، وقد كان مصدر عجبها وهي التي لا تسأل عن شيء إن وجود أمثال تلك القيود تعني وجود من يهتم بأمرها ويتمنى لها الخير، وأحسب أن العاقلات والحكيمات هن من ينشدن هذا الأسر اللين وتلك القيود الرحيمة لأنها قيود الحب والعطف والاهتمام‏.

لا شيء سيتغير في حياتك إذا لم تتغير زاوية تفكيرك، ولن توجد الانفعالات السلبية إلا ّإذا غُذيت بالتفكير المتواصل والتأمل الدائم والحديث المتواصل عنها، وبإمكانك الاستفادة من قانون الانفعال لقطع الاسترسال مع تلك الأفكار وينص هذا القانون على أنّ: الانفعال الأقوى يسيطر على الانفعال الأضعف وأياً كان الانفعال الذي تركز عليه فسوف يتنامى ويصبح الأقوى، فإذا ما قمت بسحب تركيزك على تلك التفاصيل الصغيرة والتي تجلب لك الضيق والحيرة والشك عن طريق رفضك مجرّد التفكير بها، فسوف يتلاشى التفكير واستمتاعك بما وهبت فلا تنظري إلى ما لم توهبي ولم تعط فكل ميسر لما خلق له، أدي واجباتك على أكمل وجه وتحركي في الفضاء المتاح لك ففيه من المتع الحسية والروحية الكثير.

وأما قولك إنّ الرجال ليسوا ملزمين بالطاعة، فأقول في عجالة: لقد خلق الله الذّكر والأنثى وهما متساويان في الثواب والعقاب، فالمرأة كالرجل من حيث التكاليف الشرعية والجزاء على العمل في الدنيا والآخرة مع تباين في والوظائف طبقاً لطبيعة كل منهما، وكل جنس له فضائل وخصائص لا ينبغي أن يتمنى أحدهما ما للآخر, فالعلاقة بين الذّكر والأنثى علاقة تكامل لا علاقة تصارع. يقول المولى عز وجل، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، وأكد سبحانه هذا المعنى بقوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أعانك المولى وسدّدك.

شعاع:

إنّ الحياة لا تعاقبك..أنت تفعل ذلك لنفسك بأفكارك السلبية


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد