وردت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبين الحكمة البالغة من الزواج بين الرجل والمرأة في بناء الأسرة المستقرة المطمئنة وصيانتها من التفكك والضياع. وقد حث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على الزواج المبكر في قوله: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). وهذا الحديث يوضح الهدف من الزواج فهو يساعد على غض البصر عن المحرمات، وحفظ الفرج عن الوقوع في الزنا، وهذان الأمران مهمان في حماية الفرد من الانحراف في مهاوي الرذيلة، وحماية المجتمع من إشاعة الفساد.
وحتى نضمن سلامة الفرد والمجتمع من أضرار الوقوع في الزنا، فقد شجع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الزواج المبكر لمن يملك الباءة وهي القدرة المعنوية والمادية، والمقصود بالباءة هي نضج الزوجين ومدى فهمهما لواجبات ومسؤوليات الزواج، ومدى قدرتهما على القيام بهذه الأعباء بكفاءة واقتدار حتى يُبنى المحضن التربوي الهادئ الذي يترعرع فيه الأبناء.
وهذا النضج المعرفي والنفسي والانفعالي والعاطفي للزوجين لن يتم بإلقاء المحاضرات أو المواعظ أو النصائح، وإنما يربى ويُنشأ عليه الفرد منذ نعومة أظفاره حتى تتشكل شخصيته الواعية المتزنة القادرة على تحمل المسؤوليات. والذي نراه في واقعنا المعاصر هو تردد أولياء الأمور بين الإقدام أو الإحجام في إحصان وإعفاف أبنائهم وبناتهم بالزواج المبكر مما يرونه أو يسمعونه أو عايشوه بالتجربة من فشل مثل هذه الزيجات، وما يترتب على طلاق الفتيات الصغيرات من أزمات نفسية كونها مطلقة في المجتمع وهي صغيرة السن، ونظرة الناس لها، ثم من أزمات أسرية كونها لم تكمل دراستها ولا تحمل شهادة تستطيع أن تعمل بها وتعيل نفسها أو أطفالها، وتشعر بالعبء الثقيل على أسرتها، كل هذا وغيره يسبب لها نوعاً من التعاسة والعزلة والشعور بالنبذ، وهذا الوضع الذي تكون فيه يسبب لوالديها نوعا من الألم والأسى عليها، ويدفعهم للإحجام عن تزويج أخواتها مبكراً، ويصرون على إكمال دراستها وإشغالها وظيفة لتأمين حياتها في حالة حدوث انفصال أو غيره.
وبسبب ما يتعرض له الزواج المبكر من مآزق مختلفة ومشكلات متعددة للزوج والزوجة والأطفال وأولياء أمور الطرفين من قطع للعلاقات الأسرية وتفكك وتشتت وضياع للأطفال، أصبح هناك تخوف وتردد كبير من الإقدام عليه مع ما فيه من إعفاف وصيانة للفرد والمجتمع لا سيما في وقتنا الحاضر المليء بالمثيرات والمغريات.
ومن وجهة نظري -المتواضعة القاصرة- أن حل مشكلة الزواج المبكر، وأيهما أولى الزواج أم الدراسة، لا تحل هكذا، وإنما لابد من دراسة أسبابها وعلاجها لأن واقع الحال الذي أصاب مجتمعاتنا من كثرة الطلاق يؤيد دراسة المرأة وتأخيره للزواج، لأن زواجها المبكر لم يجلب لها إلا التعاسة والضياع لها ولأولادها، فتضطر للدراسة حتى تؤمن حياتها وحياة أطفالها، وفي ظل ظروف التعليم الحالي قد لا تجد لها مكاناً في المدارس أو الجامعات بسبب قدم شهادتها أو كبر سنها عن المطلوب في نظام القبول للدراسة، فتكون قد ضاعت عليها فرصة الزواج السعيد والدراسة المنتظمة، والعمل المناسب!!لذلك فإنني أرى الآتي -والله أعلم-:
1- التربية الأسرية الجادة -للذكور والإناث- في بيوتنا والتي تؤهلهم للقيام بأعباء ومسؤوليات الحياة بصورة عامة والحياة الزوجية بصورة خاصة.
2- التدريب على تحمل المسؤوليات المختلفة في الأسرة والمدرسة من خلال مراحل نموهم المختلفة بما يناسب كل مرحلة يمرون بها، حتى يعدون بشكل جيد للقيام بدورهم المطلوب.
3- الاختيار الأمثل للزوج أو الزوجة وفق ضوابط الشريعة، ومواصفاتها كالدين والخلق والنضج النفسي والعقلي والعاطفي والانفعالي، والتوافق الفكري والاجتماعي حتى يتم إنجاح الحياة الزوجية المستقرة.
4- إمداد الزوجين بالمعلومات الكافية لبناء الأسرة السعيدة من حقوق الزوجين وكيفية تعاملهما وكيفية تجاوزهما للمشكلات والأزمات، وكيفية تربية أولادهم، وكيفية إدارة حياتهما الأسرية من جميع الجوانب. وأن يكون تلقي المعلومات من خلال الدورات التدريبية النظرية والعملية المكثفة، وإطلاعهم على نماذج ناجحة والاستفادة منهم ومن تجاربهم في الحياة الزوجية.. إلى غير ذلك.
5- نشر الوعي بين أفراد المجتمع بأهمية الزواج المبكر وفوائده، وإبراز الأسر الناجحة.
6- الإكثار من مراكز الإرشاد الزوجي والأسري لمساعدتهم على استمرار الحياة الزوجية بينهم بحب وتفان وتقدير.
- أستاذ مشارك - التربية الإسلامية بكلية التربية للبنات