Al Jazirah NewsPaper Tuesday  09/03/2010 G Issue 13676
الثلاثاء 23 ربيع الأول 1431   العدد  13676
الجزء الأول (1-4)
أبا الخيل: لا يوجد للتعصب والتطرُّف مكان في أروقة الجامعة

حوار - محمد بن عبدالعزيز الفيصل :

سليمان بن عبدالله أبا الخيل.. العالم والأكاديمي والإداري... اختارت لكم (مسيرة) هذا الضيف لتنتقي من شخصيته (الاستثنائية) هذه الأوصاف الثلاثة ليس إلا، لكونها الأبرز في معادلة (الكاريزما) التي تتحلَّى بها شخصية معاليه.

الدكتور سليمان أبا الخيل الذي ولد في ربوع قصيم الخير وبمدينة البكيرية تحديداً وتتلمذ على يدي أمهر المشايخ يتصدرهم سماحة الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - وسماحة الشيخ صالح بن لحيدان، فنهل من مختلف العلوم الشرعية والعربية وتدرَّج في المراتب العلمية والإدارية ليكون أستاذاً بمؤلفاته وبحوثه التي تربو على الخمسين في أكثر المجالات العلمية عمقاً، ومديراً لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فمن سيستعرض سيرة هذا الرجل لن يخطر بباله سوى أولئك العلماء الأوائل الذين بارك الله لهم في دينهم ودنياهم.

تستضيف (مسيرة) هذا الأسبوع د. أبا الخيل في حوار موسع يمتد لأربع حلقات يشتمل على العديد من المحاور والتفاصيل الجديدة.. فإلى نص الحوار:

على الرغم من أن معاليكم أستاذٌ في العلوم الشرعية وبالتحديد الفقه، إلا إنكم تقودون مرحلة متميزة نحو تحديث الجامعة لمسايرة التوجهات العلمية والبحثية الحديثة وهو ما يظهر من اهتمام معاليكم بالتوسع في إنشاء الكليات التطبيقية، وسؤالي هنا ما المرتكزات التي تقوم عليها معادلة الأصالة والتحديث التي تتبنونها في قيادة الجامعة؟

إن العلوم الشرعية لا تتعارض أبداً مع التطوير والتحديث المساير للتوجهات العلمية والبحثية الحديثة والأخذ بكل ما هو جديد ومفيد لخير البشرية جمعاء بما لا يتعارض مع ثوابتنا ومعتقدنا الأساس وهو شريعتنا الإسلامية الغراء المستمدة من كتاب الله وسنّة نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية جزء من هذا العالم وتعيش فيه، وليست بمعزل عن الأخذ بالأساليب العلمية والتقنية الحديثة التي تساعد على سرعة تحقيق الأهداف والوصول إليها بأسرع السبل وأقل التكاليف، كما إن التوسع في إنشاء الكليات العلمية التطبيقية مثل كلية الطب والعلوم، والعلوم الإدارية والعلوم والحاسب الآلي والهندسة لا يتعارض أبداً مع أصالتنا، بل إن ديننا يحثنا على التعلم «من المهد إلى اللحد» وهذه العلوم لازمة لخدمة البشرية، والله تعالى خلق الإنسان وأوجده لكي يُعمر الأرض ويسبحه بكرة وأصيلا وتَعَلُم مثل هذه العلوم يفيد بلادنا وأبنائها، لأننا بذلك نستطيع أن نتمكن من الاعتماد على أبناء البلاد وتوطين هذه العلوم واستجلاب التقنية وتسخيرها لخدمة الإنسان فيكون بناء الإنسان الواعي المتعلم المُلم بشتى العلوم هو هدفنا، فالمسلم العامل خيرٌ عند الله من المسلم العاطل، وكذلك المسلم القوي خيرٌ عند الله من المسلم الضعيف، وكل ذلك ليس فيه بفضل من الله ومنّته أي تعارض مع أي ملمح من ملامح الشريعة بل يتوافق معها كل التوافق وهذه ميزة الإنسان المسلم الواعي المتفتح المُدرك لأهمية العلوم التطبيقية لإيجاد حياة رغيدة له ولكل أبناء مجتمعه، فهو بذلك يسخرها لخدمتهم فيحجزون لهم بذلك مقعداً في ركب الحضارة المحافظة على الآداب العامة والروح الإسلامية الحقة، ويضربون للأمم أمثلة رائعة في حُسن الخلق والتعامل الجم الرفيع، فيكونون بذلك خيرُ رُسلِ للمفاهيمِ الإسلامية الراقية للحضارة التي تسعى إلى خير الإنسانية.

علماً بأنّ التخصصات الأساس في الجامعة كالشريعة واللغة العربية وجدت وستجد الدعم والعناية والاهتمام مع التأصيل والثبات، ومن هنا جاء الوقوف إلى جانب هذه الكليات بأقسام ودعمها مادياً ومعنوياً، حيث توسع في القبول فيها خلال السنتين الماضيين 200% إلى 400% بصورة غير مسبوقة عبر عقود الجامعة التي تزيد على خمسة، كما زاد عدد تعيين المعيدين والمعيدات فيها بنسبة عالية لم تمر بتاريخ الجامعة أبداً، مع ما واكب ذلك من زيادة في الموظفين والعاملين فيها وتوفير كل متطلبات العملية التعليمية مادياً ومعنوياً وفنياً وتأهيلاً وتدريباً وتنمية للمهارات، حيث دُرب ما يزيد على مائة وخمسين من منسوبي كلية الشريعة ومثلهم من كلية اللغة العربية وآخرون من كلية أصول الدين وكذلك كلية الدعوة والإعلام وهكذا، وسنعمل على تواصل هذه المسيرة والوقوف بجانبها لأنها تحمل رسالة وطننا الغالي وتحقق أهدافه، والمهم هنا العمل المخلص الصادق البعيد عن القيل والقال.

معالي المدير .. شهدت الفترة الأخيرة عودة عدد من منسوبي الجامعة السابقين الذين اتهموا بإثارة التعصب وطرح الرؤى غير المستنيرة إلى جادة الصواب، حتى أصبح بعضهم من قيادات فكر التوسط والاعتدال في العالم الإسلامي، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن ألا توجد لدى الجامعة نية للاستفادة من هذه الشخصيات في دعم توجه الجامعة نحو إشاعة منهج الاعتدال لدى طلابها؟

الجامعة ولله الحمد والمنّة لم ولن تقصر في السعي إلى إيضاح الروح الحقيقية لمعاني التوسط والاعتدال وقيمته سواءً على مستوى مسؤولي الجامعة أو على مستوى أعضاء هيئة التدريس فيها وكذلك طلابها ذكوراً وإناثاً وهي دائماً وأبداً في المقدمة في هذا المجال ولم يسبق أن كان للتعصب والرؤى غير المستنيرة التي ذكرتموها مكان في أروقتها أو قاعاتها، وإنما تلك شائعات تعرّضت لها الجامعة وأبناؤها كما تعرّضت لها بلادنا جميعها خلال الفترة الماضية، والجامعة ساعية وبكل جهد وتأكيد على إبانة الصورة الصادقة لمبادئ هذا الدين الحنيف الذي يحث على الموضوعية والاتزان والتدرع بالحكمة والصبر والسماحة واليسر في كل شأن وبكل السبل ولنا في أبنائها من الرجال المخلصين خيرُ شاهد على صلاحهم وصلاح نياتهم ومقاصدهم في القول والعمل.

من المعلوم أن اللجنة التي تعمل على إنشاء كلية الطب بالجامعة مُشَكَّلَة من عدد من منسوبي كلية الطب بجامعة الملك سعود، وكلية الطب بجامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية بالحرس الوطني، والسؤال هنا لماذا لم تتم الاستفادة من التجارب العالمية الحديثة في هذا المجال الذي يشهد تغيرات دائمة، وذلك عن طريق توقيع اتفاقيات مع إحدى الجامعات العالمية أو التعاقد مع أحد بيوت الخبرة العالمية المتخصصة في التعليم الطبي، ولماذا لم يتم إشراك القطاع الطبي الخاص في اللجان التي تعمل على رسم مستقبل الكلية؟

عملت الجامعة وفور صدور الموافقة السامية على إنشاء كلية طب ومستشفى جامعي في جامعة الإمام على تشكيل لجان متنوعة علمية وفنية واستشارية من المتخصصين في هذا المجال مستعينة بعد الله بإداراتها وكلياتها ذات العلاقة، وبعض الجامعات صاحبة الخبرة الطويلة في قضايا التعليم الطبي والصحي مثل جامعة هارفرد، جامعة الملك سعود وجامعة الملك سعود للعلوم الصحية بالحرس الوطني وغيرهما لوضع جميع الترتيبات والخطط والبرامج والخطوات لقيام الكلية بأقسامها الستة عشر والمستشفى الجامعي، مع تحديد كل متطلبات وحاجات الكلية والمستشفى من الكوادر الوظيفية والإدارية والتعليمية والفنية والتجهيزية من مبان ومرافق، وذلك وفق نظرة مستقبلية متفائلة وإستراتيجية واضحة المعالم والأهداف تجعل هذه الكلية تقوم على أحدث المواصفات وأرقى المناهج وأقوى الدواعم، مبتدئة من حيث انتهى الآخرون، ومستفيدة من الخبرات والتجارب الحديثة والمفيدة والمعتمدة من كليات الطب في جامعات العالم المرموقة والمشهود لها بالتميز في هذا المجال.

وقد قامت الجامعة برفع كل ما يتعلق بميزانيتها التشغيلية مفصلة إلى وزارة المالية في العام الماضي، وتمت الموافقة عليها وتأييدها، كما صدرت الموافقة على ما يخص المرحلة الثانية هذا العام فيما يتعلق بهذه الكلية والتي تعتبر قفزة نوعية ومهاراتية وفنية غير مسبوقة، للبدء في التنفيذ، ولأن الجميع ينتظر من الجامعة دوراً في هذا المجال، وأن تكون الكلية قوية في مبانيها ومعانيها وهياكلها ومتطلّباتها جميعاً، ولقد شهد التسجيل فيها مع بداية هذا العام إقبالاً واسعاً وهائلاً قلَ نظيره.

وأود أن أشير هنا إلى أن الجامعة قد أوفدت لجنتين إلى كلٍ من استراليا والصين لزيارة بعض الجامعات المتخصصة بالطب وغيره، والتعرف على ما لديها من مجالات وخبرات تستفيد منها الجامعة، وقد تم وضع عدد من مذكرات التفاهم فيما يخص الطب والعلوم وعلوم الحاسب بين جامعة الإمام وبعض الجامعات المرموقة في تلك البلدان، سيكون لها أثر إيجابي ووضاح على مسيرة هذه الكلية.

كما أنّ هناك مشروعين لمذكرتي تفاهم بين الجامعة وجامعة نيوكاسل وإكسس البريطانيتين في مجال العلوم الإسلامية والعربية والطبية والحاسوبية.

وخلال فترة قصيرة ووجيزة وبفضل من الله، استطاعت هذه الكلية أن تبرز وتحقق أموراً كثيرة طبية وعلمية وبحثية ومهنية وغيرها، وذلك بشهادة عمداء كليات الطب في جامعات المملكة الذين شرفوا الجامعة، والكلية وحضروا بعض الاجتماعات الخاصة بهم في رحاب كلية الطب بجامعة الإمام، أضف إلى ذلك أن أول دفعة لطلاب هذه الكلية تقدم فيها ما يزيد على ألفي طالب كلهم من ذوي المستويات العالية بل بعضهم ممن أنهى السنة التحضيرية في بعض الجامعات الشقيقة.

على الرغم من القوة العلمية التي تتوافر عليه الكليات والأقسام العلمية في الجامعة بما في ذلك التخصصات الجديدة، على جانب الكفاية العلمية والمنهجية التي يتوافر عليه منسوبو الجامعة سواء المتخصصون في المجالات الشرعية والعربية أو غيرهم من المتخصصين في المجالات الأخرى، كالإعلام، والاقتصاد، والحاسب، إلا أن صورة الجامعة في المجتمع ما تزال دون المأمول، وقد زاد الأمر سوءاً الهجوم العنيف الذي شنته وسائل الإعلام الداخلية والخارجية على الجامعة في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حيث اتُهمت الجامعة بدعم الإرهاب وتفريخ التطرف، والسؤال هنا: ما الأسباب التي تقف وراء عدم إيجابية صورة الجامعة لدى بعض فئات المجتمع، ثم ماذا عملت الجامعة لتعزيز صورتها الإيجابية في المجتمع؟

أولاً لقد تعرّضت بلادنا جميعها للهجوم في أعقاب ذلك وليست الجامعة فقط وكالَ الجميع لبلاد الحرمين جميع الاتهامات، وهذه مع الأسف هي طبيعة البشر غير واثقي الخُطا وكذلك هذا طبيعة ما ينتج بعد حدوث الحوادث في أي مكان من إطلاق الاتهامات يمنة ويسرة على الأصدقاء وغيرهم قبل التأكد من الأدلة والشواهد والقصد واضحٌ جلي، والجامعة أحد أعضاء هذا الجسد الذي يشكل بلادنا العزيزة علينا جميعاً ولقد آلمنا ما تداولته «ماكينة» الإعلام الضخمة في الكثير من الدول ضد بلاد الحرمين خاصة وكما نعرف جميعاً دورها وأثرها المُشرف في المحافل الدولية، وخلال الأزمات والكوارث الطبيعية وشعارها الذي ترفعه دائماً لخير الإنسانية فهي السبّاقة دوماً لكل خيرٍ ومعروف شهد لها بذلك القاصي والداني، ولكن ولضعف في إيصال هذه الرسائل الإعلامية حدث ما حدث واستغل بعض الحاقدين على بلادنا ذلك فافترى وزاد في غياب صوت العقل والمنطق، ولكن حينما زال الغبار الذي حجب الحقائق واتضحت الصورة جلية واضحة، أدرك الجميع كم تمادوا وأخطأوا في حق بلادنا، ونحن في الجامعة ولله الحمد ماضون في إعداد إستراتيجية وسياسة إعلامية واضحة للتعامل مع مختلف أجهزة الإعلام وإيصال الصورة الصادقة عن الجامعة ومناهجها وأبنائها، وتحقق الشيء الكثير خلال الفترة القريبة الماضية، ونتوقع بإذن الله أن يكون لذلك وقعٌ طيب ومردود أطيب وزيادة ونماء في المستقبل.

قطعت جامعة الإمام شوطاً كبيراً في مجال تحقيق التميز في التعليم الإعلامي حتى باتت الجامعة تمتلك أحد أبرز أقسام الإعلام في الوطن العربي، من حيث الكفاية التعليمية والتدريبية، ومن حيث التجهيزات التقنية التي لا تتوفر لعدد كبير من كليات الإعلام في الدول المتقدمة .. وسؤالي معالي المدير ألا تعتقدون أن تواصل تميز الجامعة في هذا المجال يقتضي مبادرتها لإنشاء كلية مستقلة للإعلام؟ بما يدعم تطور فرص التأهيل الإعلامي في المملكة ويسهم في تقوية قدرة الإعلام والإعلاميين السعوديين على تصحيح سوء الفهم الذي يقع فيه الآخرون تجاه الإسلام والمملكة؟

الحمد لله على نعمائه والشكر له على عطائه، والشكر موصول لسعادتكم على هذه الشهادة لكلية من كليات الجامعة التي أصبح أبناؤها وخريجوها يشار لهم بالبنان في أجهزة الإعلام المختلفة في بلادنا، وكما قلت لكم سابقاً الجامعة لا تقف ولا تستكين فهي في تطور دائم ويحرص المسؤلون فيها على الأخذ بكل أسباب التطور العلمي والتقني وخاصة في مجال هام كالمجال الإعلامي الذي يقفز ويتطور كل ساعة بل كل ثانية بفضل من الله ثم بفضل تقدم وتطور أجهزة الاتصال المستمر على مدار الساعة، وعندما تدعو الحاجة لكلية مستقلة للإعلام فستبادر الجامعة إلى دراسة هذه الخطوة دراسة علمية وافية متأنية ومن ثم اتخاذ الإجراءات الرسمية لمثل هذا الأمر وتمرير ذلك عبر القنوات النظامية اللازمة له، وإذا قلت لك إن هناك دراسة جادة وفاعلة في هذا الاتجاه فلا أكون مبالغاً.

كلية الحاسب، وأخرى للطب، وثالثة للغات، ورابعة للعلوم، وبين هذه وتلك تتناثر التخصصات العلمية والتطبيقية في مختلف كليات الجامعة، مع بقاء أصالة الجامعة ممثلة في العلوم الشرعية والعربية والاجتماعية، ألا ترون معالي المدير أن الوقت قد حان لتعديل مسمى الجامعة ليستوعب اهتماماتها المستجدة، ويعبر عن تنوع اختصاصاتها؟

إن التوسع في افتتاح الكليات العلمية لم يأت من فراغ بل وفق دراسات علمية وافية لحاجات البلاد وسوق العمل ومسمى الجامعة الحالي لا يؤثر على مخرجاتها بل يزيدها قوة بزيادة تحصيل الطالب من العلوم الشرعية التي تهذب النفس الإنسانية وتعزز انتماءها وإحساسها بالواجب العلمي الشرعي تجاه الخالق عز وجل ثم تجاه ولي الأمر وتجاه البلاد وأبنائها، فيتخرج الطالب الدارس في الكليات العلمية مُلماً بالعلوم الشرعية مُبدعاً في العلوم الدنيوية التطبيقية خادماً لدينه ومليكه ووطنه ساعياً للكمال بإذن الله.




صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد