Al Jazirah NewsPaper Tuesday  16/03/2010 G Issue 13683
الثلاثاء 30 ربيع الأول 1431   العدد  13683
 
الحبر الأخضر
الكلمة الطيبة واللحمة الوطنية المنشودة
د. عثمان بن صالح العامر

 

لا يفت العضد ولا يفكك الصف ولا يفسد الود ولا يهدم البناء ولا يوغل الصدور ولا يدمي القلوب ولا ينخر بالجسد ولا يوجع ولا يؤلم ولا يثبط ولا يقطع مثل الكلمة الخبيثة، ولا يعزز الأواصر ولا يحقق الوفاق ولا يشد البناء ولا يؤلف ما بين الحنايا ولا يقوي النسيج الاجتماعي ويوثقه برباط المحبة والأخوة والوفاء مثل الكلمة الطيبة؛ لذا فرَّق الله سبحانه وتعالى بين هاتين الكلمتين في أكثر من موضع، وأمر في مواطن كثير بأن نقول للناس حُسْنا، وأن يكون كلامنا قولاً سديدا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يصلحْ لَكُمْ أعمالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}، كما بيَّنت السُّنة النبوية المطهرة خطورة اللسان ووجوب التعقُّل حين الحديث، وأكد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله وفعله وتقريره أن (الكلمة الطيبة صدقة). وما الغيبة والنميمة وما التنابز بالألقاب والسخرية من بعضنا بعضا وما الاستهزاء والاستهتار وغير ذلك كثير إلا مجرد قول، ومع ذلك كلنا يعلم حُكْم الإسلام فيها، والعرب كانت - وما زالت - تحكم على الإنسان حكماً مبدئياً حين يتكلم، وتوصي بالكلمة الطيبة في كل حال؛ فهي عندهم بلا استثناء مفتاح القلوب والطريق إلى العقول (وتساق مع دية الرجل).

ومما ابتُلي به البعض منا في مجتمعنا المحلي إطلاق العنان لهذا العضو بلا رادع ولا رقيب. واللسان المفلوت كما هو معلوم حبل مرخى في يد إبليس؛ لذا كثرت الشائعات وتعددت الاتهامات وشُغل الناس بالتصنيفات ووُظِّفت التقنية الحديثة من خلال المواقع العديدة للشذب والتقريع والاستهزاء والترويع، وربما كانت مطايا الناس في كل هذا الظن (وبئس مطية الرجل زعموا)؛ لذا جاء التأكيد من لدن مقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على أهمية ضبط اللسان واستشعار الإنسان المسؤولية الشخصية فيما يقول أو يكتب، وذلك في خطابه السنوي المشهود يوم الأحد الماضي من تحت قبة الشورى لأعضاء المجلس خاصة وللشعب السعودي عامة في مراسم افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الخامسة. ونص ما قال: «إنكم تعلمون جميعاً أن الكلمة أشبه بحد السيف، بل أشد وقعاً منه؛ لذلك فإنني أهيب بالجميع أن يدركوا ذلك؛ فالكلمة إذا أصبحت أداة لتصفية الحسابات، والغمز واللمز، وإطلاق الاتهامات جزافاً كانت معول هدم، لا يستفيد منه غير الشامتين بأمتنا، وهذا لا يعني مصادرة النقد الهادف البنَّاء؛ لذلك أطلب من الجميع أن يتقوا الله في أقوالهم وأعمالهم، وأن يتصدوا لمسؤولياتهم بوعي وإدراك، وألا يكونوا عبئاً على دينهم ووطنهم وأهلهم». والمعاني والمبادئ التي يتضمنها هذا النص تجعلنا نقطع بأنه يشكل إطاراً أخلاقياً في التفاعل والتعاطي مع مجريات الأمور في مختلف ميادين الحياة؛ ليكون الضابط حين اختلاف وجهات النظر أو تعارضها، والفارق عند تجاذب أطراف الحديث ومناقشة القضايا أياً كانت، مستنداً كل طرف إلى رقابة ذاتية أساسها الضمير الحي والمصلحة الوطنية.

ومن هنا فإن ما ورد تحت قبة الشورى أول هذا الأسبوع يعدُّ وثيقة تاريخية تؤكد ما كان من دعوة عالمية ومحلية لتأسيس منطق حواري وطني وإنساني عالمي بنَّاء حين طرح الرؤى وعند تفنيد القناعات وحال نسج خيوط النقد الهادف البنَّاء الذي لا يعتمد على العواطف والشخصنة وردود الأفعال؛ إذ إنها كلها مؤشرات على غياب الوعي الضروري بالموضوع أياً كان الطرح ومهما علت المنزلة وتعمق التخصص وكثرت سنوات الخبرة والدراية.. كما أنها دلالات تعبر عن أعراض لأمراض شخصية دفينة.

إن المطلوب ومن أجل المصلحة الوطنية والعربية بل وحتى الإسلامية، الآنية والمستقبلية، الطرح القائم على التشخيص الحقيقي والدراسة الموضوعية والنظرة المتكاملة للموضوع محل النقاش من مختلف جوانبه وزواياه والغايات والأهداف الخاصة والعامة، وللقارئ الكريم أن يتصور أن المنابر المتعددة في مجتمعنا المحلي احتكمت إلى هذه المرجعية والتزمت بهذا الإطار تُرى ما هي النتيجة؟ وإلى أين ستوصلنا الكلمة الطيبة؟ والدعوة للجميع «حاول وأنت الحكم». وإلى لقاء، والسلام.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد