Al Jazirah NewsPaper Monday  22/03/2010 G Issue 13689
الأثنين 06 ربيع الثاني 1431   العدد  13689
 

عبدالرحمن الجميح: كرم ووفاء (1342هـ - 1431هـ)
د. محمد بن سعد الشويعر

 

لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار، ولا نقول إلا ما أمر الله به: {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}، ففي ظهر يوم الثلاثاء 23 ربيع الأول 1431هـ، فقدت شقراء، رجلاً شهماً من رجالها، من أبنائها البررة، رجلاً ملأ السمع والبصر، بدماثة خلقه وتواضعه، لم تغيّره المكانة والثراء، إذْ بعدما رفع الله مكانته الاجتماعية ازداد تواضعاً، وحباً للخير، كما هي طبيعة أسرته، ومن يشابه أباه فما ظلم.

إنْ تحدث في المجالس ملأها، وإن جاء دور الوجاهة والمساعدات، كان سبَّاقاً فيها، اشتغل مع والده في التجارة بشقراء بدءاً، ثم لما اتسع نطاق العمل، كان عضداً مع والده قبل وفاته، ومع عمه الشيخ محمد رحمهما الله ورئيساً لأعمالهم في جدة.

وأسرة الجميح من أعرق الأسر في شقراء، حاضرة الوشم، ثم في الرياض وجدة والدمام، من الغيهب إحدى أرومات قبيلة بني زيد الخمسة، لُقِّبَ جده الأعلى: محمد بن إبراهيم بن غيهب بالجميح، كما ذكر المؤرِّخ: عثمان بن بشر في حوادث 1229هـ، وهو عام وفاة الإمام سعود بن عبد العزيز رحمه الله، واعتبره أميراً له في شقراء، حاضرة إقليم الوشم، كما كان يحيى بن غيهب أميراً لشقراء أيام حرب إبراهيم باشا 1233هـ، وكان شجاعاً مقداماً أصيب في المعركة. والشيخ عبد الرحمن، وإن لم يدخل المدارس النظامية، التي أمر بها الملك عبد العزيز، حيث فتحت مدرسة شقراء عام 1360هـ وقد اشتد عوده، إلا أنه تعلَّم في الكتاتيب بشقراء، وفي جلسات المشايخ، ثم تعلَّم الخط والحساب، وأخذ من ذلك بسهم وافر، فكان كاتباً حاسباً مما يسَّر عليه إدارة أعماله التجارية، حيث اعتبرت شركتهم من أعرق وأكبر شركات الأسر.

فكان من تواضعه، وحبه لمؤانسة من يحادثه، رقيق العواطف، مع أخلاق حسنة، وأدب جم، فينسى عمله في سبيل إدخال السرور على محدثه، ولا ينفك عنه قاصده، سواء بالشفاعة أو المساعدة، إلا بما يسرّ النفس، وكأن الشاعر عناه بقوله:

تراه إذا ما جئته متهلّلاً

كأنك تعطيه الذي أنت سائله

فما عُرف عنه العبوس في وجه سائل، ولا الازورار مع المتحدث، فضلاً عن: التردد في الإجابة.

إنه الشيخ الوجيه: عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله الجميح، المولود في شقراء عام 1342هـ، في بيت عز وشرف، وسبب الوفاة - وقد جعل الله لكل شيء سبباً - والآجال محدودة، أن أصيب بجلطة أفقدته الوعي، حتى اكتملتْ الحسبة، وحان الأجل، بعد أيام قلائل، يقول سبحانه: (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ), ونرجو من العلي الكبير أن يكون ما أصابه تكفيراً لذنوبه، ورفعاً في درجاته، عند مولاه، لأن المسلم المتحسب لا تمر به مصيبة، إلا كانت كفّارة له، حتى الشوكة يشاكها، فنسأل الله أن يعامله بعفوه، وأن يغفر له، ويرفع درجاته في العليين إنه سميع مجيب.

فقد كان يحرص - رحمه الله - على أعمال السر، في غالب أعماله: نصحاً واسترشاداً، وأخبر عليه الصلاة والسلام: أن أفضل الأعمال ما كان بالسر، حتى لا تعلم الشمال ما أنفقت اليمين، ونحسبه من هذا النوع.

لقد كانت علاقته بوالدي عريقة، وعرفته أيام الطلب، بتلك العراقة المتأصلة: سداها ولحمتها: المحبة لله وفي الله، برابطة أخوية ومودة صادقة، خالية من المنافع الشخصية، في أحاديث مسلية ومبهجة، وعواطف من تآلف القلوب (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) والله سبحانه هو الذي يجازي المتحابين بجلاله.

فمع التآلف والمحبة، لم يدب التناكر طوال اللقاءات، في أي موقع، حتى فرَّق بينهما الأجل المحتوم.

ولن أنسى تأثره، عندما جاء وافداً من جدة، ليقدّم لي العزاء في والدي رحمه الله، عندما توفي، بنموذج فريد من الوفاء، حيث طغت رقة قلبه على مشاعره، وأظهر من مكنون صدره نموذجاً لم أتمالك معه، قطرات من الدمع، زيادة على خلجات القلب.

ومع ذلك فقد بسط من مروءته ونبله، ما أزهدني في نفسي، ببذل الجاه والمساعدة فيما احتاج إليه، ولأن الله سبحانه قد أنعم علي إلا أنني رأيت وفاءه هذا، طوقاً في عنقي من رجل نبيل، وأصرّ على أهمية الوصال، لمكانة والدي عنده، ومكانته عند والدي جمعهما الله في جنة الفردوس الأعلى.

ومع استمراره في الحفاوة عند كل لقاء به، أو بواسطة الهاتف، لتجديد الصلة، أو في رسائله التي أعتز برابطتها وتذكيرها في كل مناسبة تمر، فقد يلومني على زيارته: زيارة خاصة في بيته بجدة، فلا أجد عذراً، لأنه يعلم عندما أمرّ خاطفاً بجدة، فأتعلّل بالمشاغل، لكنه - رحمه الله - لا يرى ذلك عذراً، بقوله: رابطتي بوالدك تجعلني حريصاً على اللقاء بك.

وقبل ذلك كان متابعاً وحريصاً عليّ أيام الدراسة والتنقّلات، مما أحس معه حنان الوالد على ولده، وحرصه على مستقبله.. إنها خصال عديدة كريمة، لمستها من الشيخ عبد الرحمن، وإن كنت ألوم نفسي في تقصيري، عن مبادلة الشعور بمثله، ثم زاد إحساسي بالألم بعدما انتابه المرض المفاجئ، الذي أفقده الشعور، حيث لم يمهله طويلاً، فاختطفته يد المنون ظهر يوم الثلاثاء في جدة: مقر عمله وسكناه جدة، التي استوطنها منذ نصف قرن.

وقد أقيمت عليه الصلاة، بعد فريضة العصر 24 ربيع الأول، في أقدس بقعة على وجه الأرض، في بيت الله الحرام، وجوار الكعبة المشرَّفة، وتذكّرت مع مسيرة الجموع الحاشدة في جنازته، وفي أيام العزاء في كل من جدة والرياض، مقولة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: الموعد يوم الجنائز.

وووري الثرى بمقبرة العدل بمكة المكرمة: فهنيئاً له هذا الجوار الذي يتمناه كل مسلم، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل أن ما يصل الأب بعد وفاته، صِلَةَ ودّه، وهو ودّ لأبي فأجد من هذه الصلة: الترحّم على الشيخ عبد الرحمن والدعاء له بالمغفرة من رب كريم، كما أدعو وأسأل الرب الكريم، أن يجمع بينهما في جنته العالية، مثلما جمع بين قلبيهما وروحيهما في الدنيا الفانية.

إذْ طالما كنت معهما في بعض الجلسات والصغير لا ينسى، وعرفتُ مقدار ودّهما وأنسهما البريء، وألفهما الصادق عسى الله أن يجمعنا يهما وأحبابهما، في مستقر رحمته، وفسيح جناته، مثلما جمع بين قلبيهما في الدنيا، إنه جواد كريم، وهذا من زيادة النعيم الذي يتفضَّل به الله على عباده، ويرجى للجميع القبول عند الله، لأنهم من أهل القبلة، وعلى عقيدة السلف الصالح، لم يغيّروا ولم يبدلوا.. وفضل الله واسع.

الرياض


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد