Al Jazirah NewsPaper Monday  22/03/2010 G Issue 13689
الأثنين 06 ربيع الثاني 1431   العدد  13689
 
تظاهرة الجنادرية وتأصيل الموروث الوطني
د. عبدالله بن سعد العبيد

 

في ظل التطور في الأنظمة الاقتصادية والايديولوجية والاجتماعية التي تعيشها مجتمعات كثيرة نتيجة تسارع وتيرة التغيير الحياتي وتمازج الثقافات والحضارات وتتابع الأزمات على مختلف أنواعها أضحت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت آخر لتأصيل الموروث الوطني وتذكير أفراد تلك المجتمعات بماضيها الذي مهد لحاضرها ومستقبلها.

تأتي اليوم التظاهرة التي ينظمها الحرس الوطني سنوياً شاهداً على تكريس مفهوم الوطنية والهوية العربية والإسلامية، تلك الرسالة التي نجح جهاز الحرس الوطني بإيصالها ليس لأبناء الوطن فقط وإنما لشعوب العالم قاطبة منذ أن كانت التظاهرة تمثل سباق الهجن السنوي وحتى يومنا هذا الذي أضحت فيه تلك التظاهرة ميداناً رحباً لتسليط الضوء على جوانب مختلفة من الصناعات اليدوية والحرف التقليدية والرقصات والأكلات والأهازيج، ومختلف مكونات الموروث الشعبي الذي يمثل كل أرجاء الوطن.

أهمية هذه التظاهرة تكمن وبشكل كبير في تزامنها مع العولمة التي حولت العالم إلى ما يشبه قرية صغيرة تلاشت فيها كثير من الهويات من خلال تغييب قسري لمعظم السلوكيات التي تشكل في مجملها تراث تلك المجتمعات وتميزها وتجعل لها هوية مستقلة ومنفردة. أتت هذه التظاهرة لتقول للعالم أجمع إننا مع التقدم العلمي والتطور الشعبي لكننا ما زلنا متمسكين بأصالتنا التي هي عماد حاضرنا ومستقبلنا ولن نتنازل عن هويتنا الوطنية التي نفتخر بها. مؤمنين بأن التنازل عن الموروثات الوطنية واستبدالها بالمعطيات الحضارية الحديثة أمر سهل التطبيق ولا يحتاج إلى جهد بينما الحفاظ عليها ورعايتها وتنمية الولاء لها وإيصالها لأفراد المجتمع يتطلب جهداً غير عادي ودعماً غير محدود خصوصاً حينما يكون الأمر متعلقاً بدولة كالمملكة العربية السعودية التي تحتل منطقة جغرافية كبرى تتداخل فيها ثقافات مختلفة ومتعددة من أقصى شمالها لجنوبها ومن غربها لشرقها وما يتبع ذلك من اختلاف في الأنماط الفكرية والتباعد النسبي للسلوكيات.

في الجنادرية سجل الحرس الوطني قصة نجاح ليس للتنظيم الرائع الذي صاحب هذه التظاهرة فحسب وإنما في تحقيق أهداف المهرجان وإيصال الرسالة الهدف، أخذ الحرس الوطني على عاتقه حماية التراث الوطني العريق الذي يحمل الكثير من الشواهد والآثار وهي الرؤية السامية التي وُفق رجالات الحرس الوطني في تحقيقها عبر ربع قرن من العمل الدؤوب منذ أن بدأ المهرجان الأول للتراث والثقافة في رجب 1405هـ وحتى يومنا هذا، والذي يُعد استمراره مؤشراً عميق الدلالة على اهتمام الدولة بالتراث والثقافة والتقاليد والقيم العربية الأصيلة.

ولم يقتصر إنجاز الحرس الوطني على النجاح في التأصيل للموروث الشعبي، واستحضار مسيرة التطور التاريخي والخصوصية لمكونات هذا التراث مجسدة أمام الأجيال المعاصرة وإنما تجاوز ذلك إلى المساهمة في تفعيل الحراك الأدبي والثقافي العربي والإسلامي.. بل والعالمي من خلال الفعاليات التي دأبت اللجنة المنظمة للمهرجان على إطلاقها ضمن برنامج يحفل سنوياً بثراء وتنوع كبير في المحاضرات والندوات واللقاءات التي يدعى لها رموز الثقافة والأدب في العالم العربي والإسلامي ما يشكل توجهاً مدروساً نحو تحقيق التمازج الثقافي والإنساني لهذا الوطن مع الثقافات والموروثات التي تكتنزها البلدان العربية والإسلامية وغيرها من الدول الأخرى، وبما يؤكد على الرغم من حرصنا على إبراز وحفظ الموروث على انفتاحنا قيادةً وشعباً على مختلف الأعراق والثقافات الإنسانية الأخرى.

إن النجاحات التي تحققت خلال مسيرة هذه التظاهرة لما يزيد على عقدين من الزمن برعاية كريمة ومباشرة من عرابها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - أيده الله - هي مدعاة للوقوف ملياً أمام تفاصيلها ومكوناتها ومخرجاتها، والسعي لدراستها دراسة متأنية بهدف الحفاظ على استمرارية النجاح الذي لازمها منذ انطلاقتها، والعمل على تحقيق أكبر قدرٍ من المكتسبات التي يمكن أن تجير لمختلف القطاعات المعنية بالنهوض بالتنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي هذا الإطار أجد أن من الواجب على بعض الوزارات مثل وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي ووزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الإعلام ووزارة العمل وغيرها من القطاعات الأخرى السعي للاستفادة من مختلف معطيات هذه التجربة، وتحليل أبعادها بهدف غرس مفاهيم الانتماء لهذا الموروث الثري والمتنوع بين الناشئة من أجيال الوطن، وتلمس مدى إمكانية دعم الدراسات والأبحاث العملية حيالها، والسعي لدعم وتطوير المهن الشعبية مع الحفاظ على مكوناتها وإتاحة الفرصة للارتقاء ببيئة وآليات العمل لممتهنيها، وإنشاء قاعدة معلومات متكاملة وموثقة حول مختلف مكونات موروثنا الشعبي لتظل شاهداً يمكن الرجوع إليه من قبل أجيال الحاضر والمستقبل. إلى لقاء قادم إن كتب الله.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد