Al Jazirah NewsPaper Sunday  11/04/2010 G Issue 13709
الأحد 26 ربيع الثاني 1431   العدد  13709
 
الناقدة أمل القثامي في مدارات الذائقة

 

لم يدر بخلدي في يوم من الأيام أنني سوف ألتقي بأمل القثامي مرتين وعبر قراءتين مختلفتين.. الأولى عندما قدمتها في كتابي: «شاعرات معاصرات من الجزيرة والخليج» الصادر عن الدار السعودية للنشر والتوزيع بجدة سنة2005م، قدمتها شاعرة انحازت للمدارس الحديثة.. حيث أغرتها قصيدة النثر فرأت فيها انطلاقة لحرية الرأي والتعبير ضمّنتها أسرار الفكر وأعماق النفس، حيث إن النص الجيد حسب رأيها عادة ما يكون متوهجاً وقريباً من الهذيان والرؤيا، وأكثر ما شدني آنذاك هو أحاسيسها وقدرتها على الحركة والتفاعل.. فيه نبض دافق تلتحم فيه مع الآخر والمحيط والعالم.. وهذا بحد ذاته نجاح يتبلور في تجربتها الشعرية الحافلة بالتميز والانفتاح دون حواجز أو حدود.

ومرت الأيام لألتقي بها ثانية بعد أن حصلت على نسخة من إصدارها الجديد بعنوان: «مدارات نقدية» الصادر سنة 2009م ضمن سلسلة الكتاب الأول التي يصدرها النادي الأدبي بالرياض حيث يتكون الكتاب من 126 صفحة من الحجم المتوسط وهو عبارة عن مجموعة من المواد المعرفية (قراءات نصية) أنتجت في فترات متفاوتة قامت الشاعرة الناقدة بنشرها في بعض الصحف والدوريات المحلية حتى تسنى لها أخيراً جمعها في هذا الكتاب وتمت طباعته، وكما أشرت سابقاً عرفتها شاعرة بمستوى التميز لكنني لم أتوقع أن (أمل) ناقدة تمتلك أدوات نقدية معرفية بارعة تؤهلها للغوص في نصوص فتسبر أغوارها وتشرحها تشريحاً فنياً حتى تبرز خفاياها بقدرة ووعي كتابي يعتمد على رصيد من الأوعية المعرفية المتجددة، جعلتني أكرر قراءة كتابها ثلاث مرات متتالية حتى أصبت بنهم القراءة في كتاب لأول مرة يضعني في موضع التكرار.. ومما زادني شوقاً ورغبة ومواصلة في القراءة هو حيادها التام في التقديم فهي تركز على إيجابيات النص تارة ثم تبرز سلبياته تارة أخرى ثم تقدم رؤيتها غير الملزمة للقارئ وهذا بحد ذاته هو النقد الصادق والأمين الذي يعطي المتلقي فسحة من التأمل والثقافة والوعي في فهم الموضوع بعيداً عن العاطفة والانفعال مما يجعله أمام حرية من الاختيارات المكثفة.. فهي لا تسعى إلى إقناعه بقدر ما تسعى إلى إثارة الحس فيه من أجل المشاركة الشعورية في منهجها النقدي المتوازن.. فالنصوص المختارة نصوص ناضجة تحتاج إلى ناقد يحسن التعامل معها وقد نجحت الأستاذة أمل القثامي في فك العديد من أسرارها ورموزها وقدمتها لنا بوعي واقتدار فأسهمت في إثراء الساحة الأدبية بهذا المولود الجديد الذي يبشر بمستقبل واعد للنقد في بلادنا على خلاف ما قراءته سابقاً لنقاد ليس همهم سوى استخدام معول الهدم وتضخيم الذات.. ومنهم على النقيض الذين لا يمتلكون سوى المجاملات وحب البروز.. وهذا لا ينفي وجود نقاد متألقين لهم باع طويل في الحركة النقدية الحديثة.. ولكن هذا ما توفر أمامي من قراءات.

إن الناقد المنصف والواعي هو المطلوب تواجده على الساحة.. وأما خلاف ذلك يجب أن يتوارى عن الأنظار، أمامنا كم هائل من الإصدارات لكن بعضها تجعلك تصاب بالدوار والملل من أسلوب كاتبيها وتشنجهم، والأستاذة القثامي التي تحضّر لنيل شهادة الدكتوراه هي ناقدة شابة تمتلك رصيداً من المعارف وتتكئ على أدوات نقدية وتقنية فنية خاصة بها قادرة على الخلق الإبداع تؤهلها في احتلال مكانة على الساحة الأدبية في بلادها إذا ما واصلت مشوارها هذا بثقة ووعي واطلاع.. وهذا ما يوحي به نشاطها المتواصل وحضورها الفاعل في العديد من المنتديات الأدبية وعبر أطروحاتها الأكاديمية.

إذاً نحن أمام عينة إيجابية لواحدة من آلاف النساء في بلادي عندما تتاح لهن الفرصة سوف يبدعن كل حسب تخصصها.. وهذا يدحض مقولة إن المرأة ليس مكانها سوى البيت والإنجاب فقط في نظر ضيقي الأفق ومهمشي دور وحقوق المرأة خصوصاً في مجتمع ذكوري متسلط يخشى من تألقها وبروزها.

إذا عدنا إلى «مدارات نقدية» وقرأناها بتأنٍ وروية سوف نبحر معها ومع خيال كاتبتها التي أضفت عليها لمسات من الجمال والنضج تدعمها ومضات صادقة من الشرح والتحليل تعبر عن وعي ذاتي وقومي وإنساني عبر أفق لا يرى التقوقع فيه مكاناً أو المجاملات أو تضخم الذات مما يجعل القارئ يواصل قراءته دون ملل فيعيد القراءة بنشوة عبر ذلك التدفق البياني والمعلوماتي.

لا أريد أن أفسد على القارئ الكريم متعة الإبحار والقراءة في ذلك الكتاب، لذا فإنني لن أدخل في عمقه وإبراز مكامنه وسبر أغواره.. فالكتاب من عناوينه الداخلية يُعتبر مادة دسمة وفاتحاً للشهية ونهم القارئ المتذوق الذي لا بد أن يظهر بنتيجة إيجابية مع هذه الرحلة الممتعة حقاً «مدارات نقدية»

سعود الفرج
أديب وباحث سعودي - الشرقية



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد