تيوك- عبد الرحمن العطوي:
صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت رواية (رقصة أم الغيث) للزميل الكاتب عبدالرحمن العكيمي عضو نادي تبوك الأدبي الرواية جاءت في ثلاثة عشر فصلا يتحول فيها المكان بقسوته المتناهية إلى بطل مهيمن في أول فصولها ويصبح أكثر أبطال الرواية وحشية وقسوة حيث يقسو على الإنسان ويشكّل ملامحه وينال من جسده ويقتحم بهجته ويمارس فعل المحو في عالمه الصغير ويفترس مفردات الصحراء ويحيلها إلى غسق طويل..يأتي القحط في الرواية بوصفه المحرض للرقص ودلالاته الأخرى وكما يقول صاحب الرواية:
حينما ترقص أنثى في الصحراء.. فإنها تقرأ أبراج السماء..
ومثلما أن للصالحين كرامات فإن للصحراء كرامات أخرى، وأم الغيث هي كرامة الصحراء الصادقة والأخيرة.. حين تجدب الأرض ترقص النساء مع أم الغيث..
يبدأ الرقص وأم الغيث تنتصب كرمح باتجاه السماء، وجه أم دحام يضيء الملح بتفاصيله.. عنق طويل مرتو ببياض وحمرة يدهش كل من يراه.. تبتهل تفتش عن المطر.. تردد النساء بصوت هامس تارة، وصوت صادح تارة أخرى، صوت تسكنه عذوبة ولذة لا تنتهي.. صوت أنثوي سارح مسكون برائحة الرمل الذي فقد دهشة المطر منذ خمسة أعوام..صوت أنثوي جماعي نافر حلو المذاق..صوت يتوضأ من رمل الصحراء الأبيض. هل تستطيع (أم الغيث ) أن تخبرنا لماذا أرضنا فقط هي التي يفترسها الجوع؟؟ ويصرخ أحد أبطال الرواية وهو عراف ديار الهضب: (يا أم الغيث.. أرقصي حيث شئت.. سيصلنا غيثك..)..
الرواية تحاول الانتصار للأسطورة من جهة وتحاول تعريتها من جهة أخرى على لسان أبطال الرواية يقول العكيمي: هنا يصبح للرقص مع أم الغيث مفهومٌ آخر عندما تضيق الصحراء ذرعا به، كان القحط المسعور قاسيا، وكان الناس في ديار الهضب يحيلون الوجع بإيقاعه الخفي الذي ينمو حتى يصل إلى حدّ الذروة، فينبت رقصًا صارخًا مفعمًا بالدعاء والابتهال. (الرقص مع أم الغيث) أول لغة عرفتها الصحراء، هي الأبجدية الأولى، لغة بوح تهطل من الروح فتطير إلى السماء، وحين تستجدي المطر في جدب الأرض فإنها تتحول إلى ممارسة دينية روحانية لكنها لاتشبه رقصة(سالومي) في الأناجيل.. هي رقصة تهز بجذع الغيم.. فيتساقط على الأرض عرس المطر.. رقصة أم الغيث تنبت الأرض وتثيرها.. وتثور عليها.. أما رقصة (سالومي) قاتلة بدم الشمعدان والفضة.. سالومي جسدها يثير غرائز الملوك المخبوءة.. فتسيل رائحة الدم..سالومي قاتلة الأنبياء ترقص فيقتل (يوحنا).. وتغرق الأرض في عرس الدم الطاهر.. لكن أم الغيث حينما ترقص..يهطل المطر وينبت العشب.. ويبتل الطلح والرتم.. (سالومي) ترقص بطعم الدم والغرائز السادية المستبدة.. أم الغيث ترقص بماء طاهر لارجس فيه.. بين (سالومي وأم الغيث) مسافة شاسعة.. واحدة ترمز للموت.. والأخرى ترمز للحياة لذا يصبح الرقص توأم المطر مع أم الغيث.. وتتحول من هامش صغير في نص الصحراء العصي.. إلى متن يحيل الجدب إلى اخضرار ويقدم في مقدمة كل فصل من فصول الرواية: جملاً نثرية مثقلة بالشعرية يقول:
كلما اتسعت رئة القحط.. انكشفت عورة الصحراء.. وكلما ستر المطر عورتها.. نبت العشب فوق أثدائها..
ويقول بلغة صوفية باتجاه الكشف: كلما ستر الحجاب هامش النص..خلع الكشف متن اللغة،ويمضي في قراءة وجه الصحراء الآخر ويغوص في تفاصيل دقيقة لعالم رغم قسوته يختبئ فيه وجه الجمال واللذة يحاول أن يقرأ لغة الرمل في عالم عريض مليء ومثخن بالغموض يقول: يالها من رصاصة مجنونة كادت أن تبعثر رأسي، وتجعله يتطاير فوق أشجار الرتم وأوراقها البالية.. سيحتفل بموتي، سيرقص فوق جثتي رقصة الدم والثآليل.. سينثر عشب الحرمل فوق جسدي ويبلله بالدم والثآليل ثم سيدفنني.. بعدها سينبت الحرمل من أعماق جسدي.. ثم ينمو ليورق بالثآليل القانية..سيتلعثم ورق الحرمل برائحتها المثخنة بالدم...!
وتحاول الرواية أن تجيب عن تساؤلات حائرة عن الأرض حين تصبح أرضًا محرمة.. أرض وحيدة ويتيمة ولايمتلك أبطال الرواية سواها فهي الملاذ الآمن بالنسبة لهم، ورغم ذلك اكتشفوا أنها صارت محرمة وطاردة تلك هي مدائن صالح(الحجر) تلك الحائرة بين الحلال والحرام.. تلك التي تنحت من الجبال بيوتاً ثم تبكي وتتباكى على كل الذين سكنوا فوق ترابها..يحتد ويتصاعد الجدل بين أبطال الرواية (وعراف ديار الهضب) الذي يقول: كم هي مأساة عظيمة أن تجد أرضك التي لا تمتلك سواها.. قد صارت محرمة.. نحن مثل أهلنا لاذنب لنا في ذلك سوى أنها أرضنا الوحيدة.. أرضنا اليتيمة!
ويحاول عزام أحد أبطال الرواية المثقل بالهزيمة العظيمة بسبب جذوة عشق تنطفئ دون أن تبلغ منتهاها أن يجد الشفاء عند شجرة (اللوزة) في تبوك يقول العكيمي: ارتمى تحتها كعصفور جائع يحلم بلعق ثمارها.. اقترب أكثر حتى أصبح على مقربة من جذعها..حين التفت إلى اليمين كان جبل اللوز يسبح في الأفق..كأنما هذه الشجرة نبتة مباركة من عروقه ويمضي بقوله:
عاد لينظر إليها شعر بأنه يتلاشى تحتها.. سيذوب تحت ظلها إن لم يرحل عنها.. ها أنذا أتمدد تحت ظلك.. جئتك أحمل إليك خيباتي وانكساراتي.. أدام الله ظلك.. أدام الله ظلك..
تنتقل الرواية في فصولها الأخيرة إلى تيماء حيث يصبح (السّحر) علم المحو اللغة حجاب السحر.. الكشف محو اللغة.. ويقول العكيمي: الخطيئة التي لاتكشف طرقات الاستغفار لمرتكبها خطيئة حاقدة..
ثم يكشف عن حالة علاقة منكسرة ظلت أسيرة تعاني من سحر الربط وكيف يصارع ضحيتها وكيف يتحول الجسد على مقبرة تكفن فيها الغرائز الثائرة ولايتلقاها الجسد الآخر يقول: استفز نبش القبور الناس في تيماء، بدأت عملية نقل الرفات في صباح يوم الأحد كان رئيس المحكمة ومع القضاة يتابعون الموقف المهيب حيث ينقل الرفات وفق نص الفتوى.. دخل سالم إلى المقبرة شاهد العظام وبقايا الأكفان يغطيها التراب البالي.. والجماجم الخاوية..كان المشهد في غاية الصعوبة، هكذا تبعثر مقبرة قديمة وتنبش قبورها (قبراً.. قبراً) لم يستطع سالم البقاء والصمود أمام ذلك.. ولم يحمل أي رفات أو عظام أو جمجمة، أصيب بالخوف عاوده (العرق) الذي يتجمع بانتظام فوق جبهته.. كان لديه رغبة عارمة بالبكاء.. ابتعد وبدأ يهم بالخروج من المقبرة أصوات الرجال خافتة..وتمضي الرواية في الفصل الأخير متنقلة بين تيماء والأردن حيث منطقة بطن الغول بقرب مدينة معان الأردنية وكيف تختطف ضحاياها امتدادا لقسوة المكان على الإنسان..
الرواية تنتهي نهايات تفاجئ المتلقي لكنها تنتهي بقرب بئر هداج الشهيرة والتي ماتت من الظمأ ماتت وهي تردد مرثية الماء والانطفاء.يذكر أن الزميل عبدالرحمن العكيمي.