Al Jazirah NewsPaper Friday  30/04/2010 G Issue 13728
الجمعة 16 جمادى الأول 1431   العدد  13728
هل تحتاج منظماتنا إلى مدونات أخلاقية؟
فيصل عبدالله الفهيد

أصبح موضوع أخلاقيات العمل في القطاعين العام والخاص يأخذ جانبا كبيرا من الاهتمام في وقتنا الحاضر، وذلك لكونه ركيزة أساسية لنجاح وفشل المنظمات في قطاع الأعمال، وعند الرجوع إلى الجانب الأكاديمي نجد أن الدراسات والكتب التي تم تأليفها في هذا المجال لم تكن كافية، وتعتبر فترة السبعينيات في دول العالم بداية الاهتمام الفعلي بالأخلاقيات في العمل كنتيجة لظهور العديد من القضايا المتعلقة في (الرشوة، استغلال النفوذ)، وفي مقابل ذلك نجد أن ديننا الإسلامي منذ ظهوره يحث على الالتزام بأخلاقيات العمل والمحافظة عليها، والثناء على الأخلاق الحميدة، وذم الأخلاق غير الحميدة.

وسوف نتطرق في هذه المقالة إلى توضيح مفهوم الأخلاق، ومفهوم الأخلاقيات بشكل عام، بالإضافة أخلاقيات الإدارة بشكل خاص، ثم نتناول مصادر الأخلاقيات في منظمات الأعمال، وأخيرا آلية تطبيق الأخلاقيات في المنظمات.

من حيث اللغة (نجد أن كلمة الخُلق أو الخُلُق تعني السجية والطبع والمروءة والدين)، بحيث أن الخٌلٌق هيئة في النفس راسخة، تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى تفكير ، وفي الفكر الفلسفي وعلم النفس نلحظ الاختلاف بمفهوم الأخلاق باختلاف العصور التاريخية، وأول من عرف الأخلاق الفيلسوف أرسطو وتعني الفضيلة أي الصفات المهمة ومنها

(الصدق، الأمانة، العدالة)، والفضيلة تتكون من جانبين الأول الجانب العقلي من خلال التعلم، والجانب الثاني الخلقي أي الممارسة.

وفي ديننا الإسلامي جاء مفهوم الأخلاق تجسيداً لجوهر الإسلام وروحه فمرجع الأخلاق هو الدين، وعن طريق المبادئ والقيم الدينية تفرض الأخلاق والفضيلة،حيث الشواهد من القرآن الكريم والسنة النبوية تؤكد على العلاقة الوثيقة بين الدين ومكارم الأخلاق، ومن ذلك أن الله تعالى يقول «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ» (199) الأعراف

ويقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم « إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق « أخرجه الإمام أحمد.

يمكن القول بأن الأخلاق في الاصطلاح (تشير إلى علم معياري يتناول مجموع القواعد والمبادئ التي يخضع لها الإنسان في تصرفاته، ويحتكم إليها في تقييم سلوكه، وهذه المبادئ والقواعد مستمدة من تصور فلسفي شامل يرتكز إما على العقل أو على الدين أو على كليهما)،أما الأخلاقيات فهي(مجموعة من القيم والأعراف والتقاليد التي يتعارف عليها مجتمع ما حول ما هو خير وحق وعدل في تنظيم أمورهم في هذا المجتمع)، وبخصوص أخلاقيات الإدارة فهي (نظام مكون من مجموعة من القواعد والأسس والقيم المستمدة من الشريعة الإسلامية والبيئة الاجتماعية والتي تكون مطلوبة في سلوك العاملين في العمل الإداري، وتتعلق بالتمييز بين ما هو صح وما هو الخطأ وما هو مرغوب وما هو غير مرغوب, بهدف تحقيق المصلحة العامة، والسلوك الإداري يعتبر مظهر من مظاهر السلوك الإنساني).

ولو حاولنا فك الاشتباك بين مصطلح الأخلاق والأخلاقيات فأنه يمكن تقرير ما يلي:

1- هنالك فرق في المفهوم والتطبيق بين الأخلاق والأخلاقيات فالأخلاق شاملة ومشتركة بين جميع الناس، أما الأخلاقيات فهي مختصة بمجتمع معين ولذلك نقول أخلاقيات المهنة.

2- الأخلاق يتم تعلمها في مراحل مبكرة من حياة الفرد، أما الأخلاقيات يتم اكتسابها في مراحل متقدمة عند الانضمام إلى مجتمع ما، تنظيم معين (مجتمع المهندسين، مجتمع الأطباء، مجتمع المعلمين)

3- الأخلاق يكون مصدرها الدين بشكل رئيسي، أما الأخلاقيات فمصدرها بجانب الدين، القوانين والأنظمة التي تحكم ذلك المجتمع.

هناك أربعة مصادر للأخلاقيات في منظمات الأعمال، وهي (المصدر الديني، البيئة الاجتماعية، التشريعات القانونية، المدونة الأخلاقية).

أولا: المصدر الديني:

جميع الشرائع السماوية ذكرت الأخلاق، ودعت إلى ضرورة التمسك بها، ولهذا السبب تعد تلك الشرائع المحدد لأصول الأخلاق.

ثانيا: البيئة الاجتماعية:

وهي عبارة عن ما يمتلكه المجتمع من قيم دينية واجتماعية، والتي تنعكس في سلوك أفراده، وهنا لابد من إبراز أهمية البيئة الاجتماعية ودورها في تشكيل التصرفات والممارسات الإدارية، ومن مصادر البيئة الاجتماعية المؤثرة على أخلاقيات الإدارة (الأسرة، الثقافة الاجتماعية، مؤسسات التعليم، الجماعات المرجعية).

من الواجب إدراك أن المجتمعات تتباين في ثقافاتها وأولويتها، والدور الرئيسي لمؤسسات التعليم الرفع من مستويات السلوكيات المرغوبة والحد من السلوكيات غير المرغوبة ، الجماعات المرجعية يختلف تأثيرها باختلاف نوعها ومنها الجماعة (السياسية - الدينية - الأدبية - القبلية).

ثالثا: التشريعات القانونية:

يقصد بها دستور الدولة وجميع القوانين المنبثقة عنها كنظام الخدمة المدنية والتي تضبط أخلاقيات العمل الإداري سواء الحكومي أو الخاص، مثال ذلك (الانتظام بالدوام، تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة).

رابعا: المدونة الأخلاقية:

«هي عبارة عن وثيقة تصدرها المنظمة الخاصة، تتضمن مجموعة من القيم والمبادئ ذات العلاقة، وتوضح ما هو مرغوب فيه من ممارسات، وما هو غير مرغوب فيه، كما تتضمن مجموعة قواعد أخلاقية تساعد على التعامل مع المشكلات الأخلاقية التي تواجهها مراراً «، وتحقق المدونة الأخلاقية مجموعة من الفوائد منها:

- تنمية الاهتمام وتحقيق الموازنة بين الجوانب والمشكلات الأخلاقية والجوانب المادية.

- إيجاد التجانس والوحدة والتوافق الأخلاقي في العمل الإداري وفي جميع مستويات التنظيمية.

- تطوير مهنة الإدارة من خلال ما تقدمه من قواعد تساعد العمل الإداري في حماية سمعة المهنة الإدارية ومكانتها وأسس الدخول فيها.

- تحصين العاملين من مخاطر الضغوط الهرمية والتي تدفعهم إلى انتهاكات أخلاقية.

- تنمية الإحساس لدى العاملين بأهمية المعايير والقيم الأخلاقية التي تصب في اتجاه تعزيز السلوك ورفع الأداء.

ومن أمثلة المدونات الأخلاقية نجد المدونة الأخلاقية لشركة بيت الرياض في القطاع الخاص، وتتضمن قسمين:

القسم الأول:

يعرض الأهداف والخطوط العامة للسلوكيات الأخلاقية، التي يجب على الجميع الالتزام بها، بغض النظر عن موقعهم الوظيفي.

القسم الثاني:

يتعلق بتفاصيل السلوكيات الأخلاقية على مستوى كل إدارة ووظيفة بحيث يتم شرح خصوصية كل وظيفة وربطها بأصول السلوك الأخلاقي في العمليات والمهام والواجبات الموكلة لهذه الوظيفة.

الخطوط العامة لمدونة الأخلاق:

-الالتزام بالسلوكيات التي تعكس روح الثقة واليقين النابعين من الإيمان والتحلي بالصبر والرحمة والرفق والحلم والعفو، (وجدانية).

-التحلي بالصفات الخلقية الحميدة، كالصدق، والترفع عن الجدال وتقبل النقد الاعتراف بالخطأ، الالتزام بأداء الحوار (قوليه).

-الالتزام بمكارم الأخلاق ومن أهمها (الأمانة، المثابرة، الاستقامة، الحزم، احترام العهود والوفاء بها، العدل والاتفاق، القدوة الحسنة).(عملية)

ولكي ينجح تطبيق أخلاقيات العمل في المنظمات السعودية في القطاع الخاص والحكومي فأنني أؤكد على أهمية مراعاة ما يلي:

1- وضع قوانين أو قواعد أخلاقية لسلوكيات الموظفين في المنظمة، بحيث يتم الالتزام به داخل المنظمة، حتى يتسنى للموظفين فهم أسس أخلاق العمل في المنظمة ومن ثم محاولة تطبيقها.(المدونة الأخلاقية).

2- الاستعانة بالاستشارة الأخلاقية في المنظمات الحكومية و الخاصة كأي مستشار خارجي، وينصب عمله على تطوير الموظفين «أخلاقيا» وكذلك التحقيق في شكاوى العملاء والمستفيدين .

3- توفير دورات تدريبية للموظفين في المنظمة أو خارجها ويكون هدفها توجيه وتعليم الموظفين تطوير أنفسهم أخلاقيا وكذلك محاولة إحساس الموظفين بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم.

وأخيرا، نؤكد على أهمية إيجاد مدونات أخلاقية في جميع منظماتنا الحكومية والخاصة، لاسيما وجود عدد قليل من المنظمات السعودية التي تتبنى تلك المدونات، وحيث أن امتلاك مدونات أخلاقية خاصة بكل منظمة أو عامة مشتركة بين القطاعات المهنية، يسهم بشكل فعال إلى الاستثمار الأمثل لطاقات الأفراد، بالإضافة لمواجهة الكثير من الحالات الأخلاقية المعقدة في المنظمات.




صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد