Al Jazirah NewsPaper Friday  30/04/2010 G Issue 13728
الجمعة 16 جمادى الأول 1431   العدد  13728

ترشيد العصبية القبلية
فهد علي الحماد

العصبية القبلية نارها خطيرة تقضي على الأخضر واليابس، وأثرها السيئ اجتماعياً ودينياً وسياسياً الذي يبقى في الناس والمجتمعات والدول واضح بين في كل بقاع الأرض. والعصبية لا أقول عنها إنها شر لا بد منه لكي لا نبرر ونعذر لأنفسنا ونسرح في أنفتها بلا حدود ولا قيود؛ بل نستطيع أن نقدمها للناس بقالب الشريعة السمحاء التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. والنصوص في ترشيد العصبية القبلية كثيرة منثورة في القرآن والسنة، والإسلام جاء وقدَّم لنا هذه القضية على طبق من ذهب، ونموذج ذلك قصة أبي ذر - رضي الله عنه - مع بلال - رضي الله عنه - في نهايتها قال أبو ذر «ضع قدمك يا بلال على رقبتي حتى ترضى عني»، والقصص كثيرة. ولا بأس أن يذكر المرء قبيلته التي ينتمي لها ويعرّف بنفسه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»، ولنلاحظ أنه صلى الله عليه وسلم نسبه من أفضل الأنساب على الإطلاق، وبعد أن بيَّن نسبه - صلى الله عليه وسلم - قال «ولا فخر»، وهو أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم، إن أردتها سماوية فهو مرسل من رب العالمين ووحي من السماء، وإن أردتها أرضية فهو سيد ولد عدنان، ومع هذه المنزلة العالية كانت الجارية تأخذ بيده في سكك المدينة لتواضعه وعرفانه - صلى الله عليه وسلم - حقارة هذه الدنيا، وكان يخسف نعله ويرقع ثوبه ويكون في شؤون أهله.. ولكن واقعنا اليوم عكس ما كان عليه الرعيل الأول؛ فلو مررت على بعض القنوات الفضائية البدائية أو المجلات الشعبية التي توقد العصبية القبلية وتشعل فتيلها لعلمت أنهم تمثلوا قول الشاعر:

وما أنا إلا من غزية إن غوت

غويت وإن ترشد غزية أرشد

فهذا الأمر عواقبه وخيمة، ومزالقه رهيبة، وناقوس خطره بدأ يدق وينخر في المجتمع؛ فيخرج لنا الشاعر في ريعان شبابه وقد ارتوى من حب القبيلة وعشقها حتى الثمالة؛ فيستيقظ على ذكر تاريخها وماضيها ومدحها، وينام على ذلك، وليته اكتفى بذلك؛ لكن بدأ بالتنقص للقبائل الأخرى، وإن لم يتفوه بذلك صراحة فلسان حاله يقوله، وواقعه يشهد، ويسهب بالحديث عن قبيلته بأنها لطامة الخشوم، وحدِّث ولا حرج من تلك الكلمات المكررة في قصائدهم من مئات السنين، وكما يقول أحد العلماء: «هل يا ترى أحد من قبيلة ذلك الشاعر جاهد في غزوة بدر أو أُحد أم ماذا..؟». إنَّ كثيراً من دواوين أولئك الشعراء هباء منثور؛ لم يقدِّم للأمة شيئاً، إلا مَنْ رحم ربي، لا أقول هذا دعابة أو تسلية، وإنما من باب الحقيقة المؤلمة؛ لأن بتلك القصائد جرت الويلات والدمار والفرقة على القبائل فيما بينها، بل يتضاحك العالم من حولنا؛ لقد وصلوا المجد الدنيوي وعانقوا الثريا وسابقوا العلم ونحن نتغنى بكان وأخواتها!! وليس الفتى مَنْ يقول كان أبي؛ إن الفتى من يقول ها أنذا. فليت الشعراء اشتغلوا بقراءة القرآن وصحيح البخاري ومسلم وتفقهوا بالدين؛ لأن بعضاً منهم لم يكمل الدراسة؛ فبضاعته زهيدة مفككة مهلهلة، ومَنْ تقلد الشهادات العليا وحصل منه ذلك التعصب الجاهلي فاللوم والخطأ منه أعظم؛ لسبق الترصد والإصرار، وولاة الأمر - حفظهم الله - يدعون إلى الاجتماع ولمّ الشمل ونبذ العصبية والفرقة، ويريدون من مجتمعنا أن يتبصر قول الله تعالى: {.. وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّه أَتْقَاكُمْ..}، ومؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - قد وحَّد الجزيرة وأزال التناحر والتلاطم والتقاتل؛ فجعل من قبائل الجزيرة صفاً واحداً كأنهم بنيان مرصوص، وسار أبناؤه من بعده على هذا المنهج، وهذا صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبدالعزيز آل سعود رئيس هيئة البيعة بدأ حملة (لا للعصبية القبلية) التي جاب مندوبوها ثلاث عشرة منطقة، وقابلوا أمراء كل منطقة، وتحدثوا عن نشاطات الحملة وأهدافها وما تطمح إليه؛ وما ذاك إلا حرصاً من ولاة أمر هذه البلاد على التكاتف والتلاحم والاجتماع والتصدي لكل ما يدعو إلى الاختلاف والشحناء والفُرقة.

وفي نهاية الحديث بودي أن نعلم أن الأمم المتقدمة هل تزعمت القيادة بالشعر الذي يتغنى بأمجاد القبيلة والترفع والتعالي والمشيخة أم بالعلم والاختراع والصناعة والحضارة والتقدم..؟ فلا أدري أصنع ذلك الشاعر لنا الطائرة والصاروخ والدبابة أم ماذا؟!! إنَّ الزعامة اليوم تقاس بكل ما تحمله الأمة من علم وتكنولوجيا وتقنية وصناعة واختراع.. ومعلوم أن القصيد الذي يحث على مكارم الأخلاق والتدين أمره محمود وضروري؛ لأنه يرقى بالمجتمع لأعلى سنام المجد، لكن الذي يهدم المجتمع ويزعزع كيانه وترابطه تلك النار التي لا تبقي ولا تذر؛ فتجدها في دوائرنا الحكومية ومراجعاتنا وعملنا ومؤسساتنا واجتماعاتنا وكل أحوالنا، بل للأسف بعضنا يربي أبناءه عليها.. فليتنا أعدنا فهمنا لها وجعلناها إسلامية حضارية تنير البلاد والعباد.


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد