لقد حبانا الله بالمال والموقع والرجال والثروة المعدنية، وهذه العناصر الثلاث كفيلة بأن تحصن الأوطان وتعطي الفرصة للارتقاء والتقدم بشرط أن نعرف كيف وأين ومتى نستخدمها، ومنذ البداية لابد من القول إن الغرب لا يريد لنا التقدم حتى نبقى شعباً مستهلكاً محروماً من التقنية بعيداً عن الإنتاج، وقد قال أفلاطون قبل ما يزيد عن ألفي سنة: (ويل لأمة تأكل ما لا تزرع وتلبس ما لا تصنع) وكلنا يعرف قصة غاندي مع المستعمر الإنجليزي حين أصدر تعليماته للشعب الهندي بأن يلبس ثياباً من الخيش، وقد بدأ بنفسه فكان ذلك القرار سبباً في خضوع إنجلترا ودخولها في مفاوضات معه وقد انتصر في تلك المفاوضات.
لدينا ما يسمى بالاقتصاد المغلق، أي الاقتصاد الذي يملك كل متطلبات مجتمعه، وبمعنى آخر قدرته على الاكتفاء الذاتي، لدينا في باطن الأرض من الثروات العديدة، نفط ومعادن وأشباه معادن، وأرض زراعية، فغيرنا من البلدان لا يوجد عندها شيء من هذا التكامل، فهذه البلدان تستورد كافة المواد الأولية وتصنعها وتصدرها، وأما نحن فلا حاجة لنا إلى استيراد تلك المواد ومن ثم تصنيعها، وهنا نأتي إلى الاستثمار والمستثمرين، صناعة الصابون معروفة لدينا منذ آلاف السنين وقد علمناها للعالم ومع ذلك أسواقنا مليئة بالصابون المستورد، وأن مثل هذه الصناعة لا تحتاج إلى كثير من التقنية، علماً أن تقنيتها معروفة لدينا، صناعة الزجاج علمناها للآخرين ونحن الآن نستورد كل أدواتنا المنزلية من الغرب، لقد شاهدت في متحف مدينة ليفربول صناعات زجاجية دمشقية عمرها ألف سنة، زجاج نقي لا تقل نقاوته عما لدينا الآن، فلماذا لا نصنع أدواتنا المنزلية على أن يكون ذلك مبنياً على استراتيجية متكاملة، أقصد أن تقوم استثمارات بينية بين الدول العربية خاصة وأنه لا يوجد حواجز أو مواقع تحول دون الشروع في هذه الإستراتيجية، وطبعاً ضربت مثال الصابون والزجاج.. ولكن ذلك ينطبق على كافة الصناعات الأخرى وحتى الإلكترونية منها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المستثمر العربي لا يخشى على أمواله المستثمرة في أي بلد عربي بعكس الاستثمارات العربية الموجودة في الخارج والتي تتعرض بين فترة وأخرى إلى الحجز والمصادرة، وحتى الأموال المستثمرة كأرصدة في البنوك العالمية نجد أنها تتعرض لأنواع مختلفة من الخسائر أو الضياع وما أذكره يعرفه الجميع.من حيث المبدأ نجد أن أوروبا قد وصلت إلى نوع من التكامل وكان الاقتراح بالسوق العربي سابقاً لأوروبا.. فإلى أين وصل؟ لدينا من المشاريع ما يمكنها أن تستوعب كل ما لدينا من ثروة، بنيتنا التحتية في الوطن العربي وحدها تستوعب مئات البلايين من الدولارات ونتائج تلك الاستثمارات مضمونة مئة في المئة وعلى الأقل فهي في مأمن، يقال صاحب المال جبان.. ولكن في وطننا العربي لا حاجة للخوف حتى الآن وعلى مدى الخمسين سنة الماضية علماً أنه خلال هذه الفترة قد حدثت عدة مشاكل للمستثمرين العرب سواء كان ذلك في أسبانيا والغرب أو في أمريكا.
هناك تجارب ناجحة فهذه الصين غزت العالم باستثماراتها، تعطي البلدان بعملتها وتسمح لتلك البلدان بإعادة تلك الاستثمارات بالعملة الصينية.. دون أن يخضع ذلك إلى الأسعار العالمية وتقلباتها، استثماراتنا في الغرب تحدد بالدولار الأمريكي وبالتالي تخضع لتقلبات الأسعار، ويكفي القول الآن بأن مبالغ هائلة تصل إلى مليارات قد خسرها المستثمرون العرب نتيجة لهبوط سعر الدولار.
ارتفعت في هذه الأيام أصوات غربية كلها تقول بأن أوروبا لن تتحمل مصائب أمريكا - الاقتصاد الغربي والنظام المالي العالمي مبني على مصلحة الغرب وليس على مصلحتنا، فلماذا نبقي استثماراتنا عند الغرب وهي مهددة بالحجز والخسائر والمصائب؟ استثماراتنا البينية ضرورية وملحة وذلك في كافة المجالات وفي طليعتها ما يتعلق بالأمن الغذائي.. نظرة سريعة على الأسواق المركزية تكفي لإعطائنا فكرة عن ما ننتجه وما نستورده.. استيراداتنا.. أجبان، لحوم، معلبات، خضروات، فواكه، أسماك، ملابس، بطاريات، أدوات منزلية، أجهزة إلكترونية، والقائمة تطول، وعلى رأس هذه القائمة الحبوب وخاصة القمح.. هل يصدق أن وطننا العربي الذي يتمتع بالشمس والأرض والمياه، عشرة ملايين كيلو متر مربع.. يستورد ما نسبته 75% من رغيف خبزه.. لماذا لا نفكر بأجيالنا المستقبلية ونضع استرايتيجة لعشرات السنين؟ هذه السويد قد وضعت بنكاً للبذور خوفاً من حدوث حرب عالمية ثالثة وبالتالي انعدام البذور التي تؤمن الزراعة.. أين هي مشاريع بدائل الطاقة، علماً أن لدينا من العناصر الأساسية لهذه البدائل الكثير الكثير..
طبعاً ليس أمامنا أي خيار آخر لحل هذه المشاكل إلا خيار واحد وهو الاستثمار البيني بين الدول العربية والإسلامية، وبذلك نكون قد اعتمدنا على أنفسنا.. علينا أن نستفيد من تقنية الغرب لاستغلال ثرواتنا والمحافظة على أموالنا.. وبهذه الاستثمارات البينية نستطيع أن نحقق فوائد جمة.. ننتج ما نحتاجه فنوفر النقد الأجنبي الذي ندفعه للغرب، نرفع مستوى الدخل الفردي، نشغل العمالة وبالتالي نقضي على البطالة، وبهذا نضمن الاستقرار في وطننا العربي والإسلامي ونؤمن على أجيالنا القادمة، علاوة على ذلك فإننا نحقق الكثير من الفوائد الأخرى التي تنعكس إيجاباً على بلداننا وعلى شعبنا وأمتنا العربية والإسلامية.
خلال الفترة السابقة، كان النمو ينطلق من الشمال إلى الجنوب وأما في المرحلة الحالية وهذه هي سنة التاريخ، فإن النمو يتجه من الجنوب إلى الشمال، فهذه الصين والهند بدأت تتقدم الصفوف ولابد لنا نحن العرب أن ننضم إلى ركب هذا الجنوب الذي بدأ يتحرك لتحقيق أهدافه، علينا أن نؤمن نصيبنا في هذا المجال.. كيف.. الجواب على ذلك هو الاستثمارات البينية بين دولنا العربية والإسلامية، هذه هي القارة الإفريقية البكر.. لننظر إلى الاستثمارات الصينية والهندية ونسابق الغرب إليها، فلماذا لا يكون لنا من الخير نصيب؟ علماً أن الطريق مفتوح لنا وهو معبد بالترحاب في استثماراتنا.
وفي هذا المجال لابد من الإشارة إلى أمر آخر في غاية الأهمية، وهو العقول العربية المهاجرة، ذلك الجيش الجرار من العلماء العرب والمسلمين الذي استوطن الغرب.. علينا أن نعطي هؤلاء العلماء والمتفوقين الفرصة للعودة إلى بلدانهم مع تشجيع الموجودين في الوطن على البقاء، واجب علينا أن نسعى بدأب ومثابرة مع إعطاء الحوافز العديدة لهذه الفئة من أجل استقطابها واستعادتها لكي نؤمن التقنية المطلوبة لمشاريعنا. لقد أشارت الإحصاءات في عام 2000 إلى وجود ما يزيد عن 300 ألف عالم عربي ومسلم في كافة الاختصاصات العلمية، جميعهم يعملون في الغرب، إضافة إلى ثلاثة ملايين فني يساهمون في رفع إنتاجية وجودة المنتجات الغربية.. فلماذا لا نستقطبهم ونعطيهم الفرصة الكاملة والحوافز المشجعة لكي يعودوا إلينا ويقوموا بدورهم في نهضتنا العلمية وبناء مستقبل أجيالنا القادمة، تلك النهضة التي نتطلع إليها.
لدينا كافة الإمكانيات اللازمة لمثل هذه النهضة، وكذلك المقومات التي تؤمن نجاح وتقدم وتعزيز هذه النهضة التي أصبحت ضرورة لابد منها إذا كنا نرغب بأن يكون لنا موقع بين الأمم، لابد لنا من قراءة المستقبل قراءة صحيحة ومعرفة المواقع التي نتجه إليها، والتي تحقق لنا مصلحتنا، نعم لا يعلم الغيب إلا الله، ولكن الله قد أعطانا عقولاً وعلماً.. نعم إذا استخدمنا ما لدينا من العقول والعلم والعوامل نستطيع أن نستشرف المستقبل وأن نحقق أهدافنا بإذن الله.