Al Jazirah NewsPaper Friday  30/04/2010 G Issue 13728
الجمعة 16 جمادى الأول 1431   العدد  13728
معرض القدس الشريف وفلسطين.. زيارة ثالثة
عادل علي جودة

أود في بداية زيارتي الثالثة لمعرض القدس الشريف وفلسطين أن أسجّل عظيم الشكر والامتنان لرجالات «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية» على الجهود الكبيرة التي بذلوها في الإعداد لهذا المعرض حتى بدت «قاعة الفن الإسلامي» المكونة من طابقين على هذه الصورة الباهية التي أراها، ولا أستغرب هذا مطلقاً؛ فهذا ديدن هذه الديار وقادتها وأهلها تجاه قضية فلسطين (الأرض والتاريخ والشعب والمقدسات) منذ توحيدها على يد صقر الجزيرة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - حتى هذا العهد الميمون بقيادة رجل الوسطية والاعتدال خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، كتب الله على يديه لنا العزة والنصر والتمكين. وهاأنذا أعود بالذاكرة إلى «معرض القدس وفلسطين» السابق الذي نظمه المركز وافتتحه صاحب السمو الملكي الأمير سطام بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة الرياض، في 22 مارس/آذار 2004م؛ إذ حدث في ذلك اليوم، وقبل ساعات من الافتتاح، أن أطلقت طائرة الغدر الصهيونية قذيفة حاقدة تجاه بطل فلسطين الشهيد الأشم الشيخ أحمد ياسين أثناء خروجه من المسجد بعد صلاة الفجر؛ فسالت دماؤه تروي الأرض، وتناثرت أشلاؤه، وقطع كرسيه المتحرك تغطي المكان، فمات الشيخ جسداً، لكنه بقي روحاً تشحذ الهمم وتفجر الطاقات. أجل، ما زلت أرى أمام ناظري، حينما وصل الخبر، كيف انتزع منسوبو المركز أنفسهم من أحزانهم، وكظموا غيظهم، وحبسوا دمعهم، وانتفضوا على قلب رجل واحد في عمل دؤوب أعاد ترتيب كل شيء، حتى اكتست قاعة الفنون الإسلامية بأنفاس الشيخ العطرة ودمائه الزكية، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

فلا غرابة إذن أن يرسم هذا المعرض في باحاته وأركانه لوحات فلسطينية متنوعة تروي للزائرين بعضاً من الظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني على امتداد عشرات العقود من الزمن؛ فهذه لوحة تحكي فلسطين الأمس بحدودها وسمائها ومائها ومدنها وقراها، وهذه لوحة ملاصقة لها تحكي فلسطين اليوم وقد نهبت أرضها، وشرد شعبها، وبُدلت بأسماء مدنها وقراها وشوارعها أسماء أخرى يهودية؛ فالقدس أصبحت (أورشلايم أو يروشلايم)، والناصرة (نتسيرت)، وصفد (تسفاد)، والخليل (حيفرون)، وبلدتي اسدود (أشدود)، وغزة (عزة)! بالطبع لم تقف القرصنة الصهيونية عند هذا الحد؛ بل استمرت حتى يومنا هذا، ولم تقتصر على المدن؛ بل استشرت إلى المقدسات التي ضموها إلى آثارهم - ولست أدري كيف يكون للعصابات الململمة من أصقاع الدنيا آثار -، كما لم تقتصر عربدتهم داخل فلسطين بل قفزت إلى خارجها، حيث يقيمون المعابد والمقابر ثم يباشرون احتفالاتهم فيها، فذاك معبد «موسى بن ميمون» في القاهرة، وذاك قبر «أبوحصيرة» في محافظة البحيرة أيضاً في مصر، وغير ذلك كثير، ومن يدري قد يأتي يوم قريب وقد ألحقت فيه «أهرامات مصر» أو «حدائق بابل» أو «مدينة البتراء» إلى الآثار اليهودية! ومما لا شك فيه أن ما يقوم به الصهاينة من تحريف وتزوير ونهب وأكاذيب يزيد من أوجاعنا وآلامنا، إلا أن الوجع أقسى، والخطورة أعظم، حينما يقوم أولئك المحسوبون على الأدباء والمثقفين من بني العروبة والإسلام باستخدام ما يسمى «إسرائيل» لتحل محل «فلسطين» في مؤلفاتهم ثم تدرس هذه المؤلفات لأبنائنا وبناتنا في مختلف مراحلهم التعليمية، وأجدني في هذا المقام أسجل تحية إكبار وإجلال إلى الطالبة المصرية «أسماء إبراهيم» التي صُعقت حينما وجدت في أحد الكتب المقررة وعنوانه «الجغرافيا الاقتصادية بين النظرية والتطبيق» جدولاً يشمل مفردة «إسرائيل» على أنها جزء من العالم العربي؛ فصرخت بأعلى صوتها: «لا»! فمن يجدد الصرخة؟!

أعود إلى المعرض متأملاً منصة رخامية ثُمانية الشكل، تعلوها قبة زجاجية شفافة تغطي مجسماً خزفياً دقيقاً لمسجد قبة الصخرة، ويتدلى من أطرافها ألواح زجاجية شفافة، تغطي تجاويف خشبية مائلة تحتضن داخلها رسائل مهمة، ومخطوطات نادرة، وقطعاً مالية معدنية متنوعة، ومستندات توثيقية عتيقة، وكلها تؤرخ لفلسطين وتحدِّد معالمها وتنفي بالدلائل والبراهين أي حق لليهود في أي شبر من فلسطين!

لن أستطرد - قارئي - في سرد المزيد من تفاصيل المعرض؛ أولاً: كي لا أفسد عليك متعة المشاهدة حينما تتفضل بزيارته! وثانياً: لعجز مفرداتي عن ترجمة ما يختلج وجداني من مشاعر الحزن والألم! ولكني سأختم سطوري هذه مع قطعة قماشية مطرزة تسر العين بخيوطها وألوانها، وتبهج النفس بعبقها وعنفوانها، ألا فسلم الإحساس الذي أبدعها، وسلمت الأنامل التي طرزتها.. إن أمعنت النظر في خيوطها، وألوانها، وفي كلمات إحدى أغانينا الشعبية «عريسنا زين الشباب» وجدتها ناطقة متحركة تنبض بالحياة، نعم، ها هي الدبكة الفلسطينية تحيي الأمل بهزات الأكتاف وضربات الأقدام، وها هن خنساوات فلسطين يجددن عهد الصمود بالهاهاوي والزغاريد! هي لوحة عز فلسطينية تبرز للعالم إصرار هذا الشعب على الحياة مهما واجه من مؤامرات الأعداء، ولدغات الأقرباء!

أشير هنا إلى أن المعرض يفتح أبوابه من السبت إلى الخميس على فترتين، صباحية من التاسعة إلى الثانية عشرة ظهراً، ومسائية من الخامسة إلى التاسعة، والدعوة عامة.

كاتب فلسطيني - الرياض



صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد