عنيزة - خالد البدراني
اتجهت بعض المحافظات الصغيرة في الفترة الأخيرة إلى منع بيع السجائر في المحلات والأسواق داخل البلد، وأن يقتصر بيعها على محلات بيع الجراك والشيشة التي تصدر رخصها، ويتم تجديدها من نفس البلديات المانعة لبيع الدخان، وانتشر الأمر بين المحافظات ربما كتقليد للآخر، وهو القرار الذي استندت عليه البلديات بتوصية من المجالس البلدية، أو من قبل البلدية نفسها في بعض المحافظات وتحديد مهلة زمنية بعدها يتم تطبيق النظام غير المعروف حيال بيع سلعة مستوردة بشكل نظامي ومعاقبة من يخالف ذلك وتغريمه وسحب الكمية منه ومصادرتها من قبل (البلدية) كونها جهة تنفيذية للجهة التي شرعت هذا القرار وهو المجلس البلدي، وتساءل الكثير عن ذلك النظام كيف ومتى وجد - منع بيع الدخان - كما رافق هذه التظاهرة أيضاً لوحات وضعتها البلدية تحث المواطنين الإبلاغ عن أي محل (مخالف) يبيع الدخان لمعاقبته وتغريمه ومصادرة سلعة تم شراؤها بشكل نظامي وصحيح.. التساؤلات التي كثرت حيال ذلك عديدة والجميع يتفق على سلبية وضرر التدخين، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان من جميع النواحي.. بالإضافة إلى أن الجانب الاستثماري في هذا المنتج ضئيل جداً لا تتجاوز أرباحه 2% من رأس المال. إذاً ما نظامية العقوبة والمنع التي تتبناها هذه الجهات بمثل هذا القرار الذي وصفه البعض بأنه تعسفي وخارج حدود الصلاحيات المخولة لها والتهرب من تبعياته والتباهي بتطبيقه إعلامياً ولشرائح اجتماعية معينه دون مرجعية باعتبار أن الدخان سلعة غير ممنوعة من الجهات المخولة بالمنع كمصلحة الجمارك.. ولو فرض أن القرار إيجابي.. فما هي السلبيات السابقة له.. وهل تم القضاء عليها بعد تطبيق هذا الأمر.. وهل هناك قرارات أخرى إيجابية ينتجها المجلس البلدي أم أن الأمر توقف على تفعيل هذا القرار؟!
المجلس البلدي في قلوبنا
كتبها أحد العمالة على أحد المحلات التي تحتكر بيع الشيشة والجراك عندما علم بالقرار.. وهذه اللفتة التي أنعشت السوق لديه بعد أن منع بيع الأدوات النحاسية داخل المحافظة وإجبارهم على الخروج خارج النطاق العمراني حيث كانت المحلات خارج المحافظة لا تتجاوز إيجاراتها 5000 بالسنة.. وعندما ألزموا على الخروج ارتفع سعر تلك المحلات الضعفين.. ثم أتى منع بيع الدخان فارتفعت الإيجارات مرة أخرى وانتعشت المبيعات بشكل كبير ولافت وانقلب المثل وأصبح: فوائد قوم عند قوم مصائب.. عندما كانت فائدة القرار لتجار الأدوات النحاسية كانت المصيبة على سعر الإيجار لمحلاتهم.
السوق السوداء للرخص
تضررت العديد من المحلات التي كانت مستندة على بيع الدخان من خلال توفيره للزبون، فعمد أصحابها إلى استخراج رخص خاصة لبيع الدخان والاتجار به، حتى وصل سعر الرخصة لأكثر من 70 ألف ريال لإمكانية مزاولة بيع الأدوات النحاسية.. بالإضافة إلى سلع أخرى تكميلية أبرزها بطاقات الشحن والشرائح غير النظامية وبدون اسم.
وجميع العمالة التي تبيع في محلات الدخان الآن تختلف مهنهم المسجلة لهم عن طبيعة العمل.. فلا يوجد إلا القليل والنادر جداً بالشكل النظامي.. حيث إن أغلبهم يحمل مهنة عامل أو عامل شحن وتفريغ أو سائق خاص أو عامل محطة وغيرها من المهن التي لا تمت لطبيعة العمل بصلة.. وينقسم المحتكرون لبيع الدخان إلى نوعين: الأول يستلم محلاً جهز بالبضاعة من قبل المالك الذي لا علاقة له إلا بالحصيلة المتفق عليها آخر الشهر والتي لا تقل عن 10 آلاف ريال، والنوع الأخر أفضل وأقوى من الأول حيث إن لديه رأسمال ولا يحتاج إلا لكفيل صوري فقط.. ويتكفل الوافد بجميع الجوانب المادية والإدارية واستخراج الرخص وغيرها.. وهذا النوع يكون له نصيب الأسد مقابل مبلغ زهيد للكفيل يتراوح بين 1000 و2000 ريال لا أكثر.
جرائم وتبعيات المنع
الحجة المغيّبة عن الشارع لهذا القرار أن إتاحة بيع الدخان بالمحلات يسهل وصول الأحداث أو الفتيات إلى شرائه أو تعاطيه فكان قرار منع بيع الدخان هو الحل بنظر المسؤول عن هذا القرار.. بينما هو في هذا القرار أتاح الفرصة إلى ضعاف النفوس لاستدراج الأحداث أو اصطحابهم إلى محلات بيع الدخان أو تزويدهم بها مقابل مشاكل أخلاقية مختلفة.. كما أن العمالة السائبة أصبحت تبيع بأسعار مضاعفة للأطفال وغيرهم من خلال البيع بالتفريد - بالسيجارة -.. وهذا الأمر الذي يحمل قراراً نظامياً وصريحاً حول منع تفريد السجائر من علبها.. وهي المشكلة التي لم تُبحث أو عالجتها الجهة التي تتبنى المنع من خلال إبلاغ المحلات بمنع دخول الأحداث أو البيع إليهم.
ما لم يكن بالحسبان
العمالة التي تجوب الأحياء ونشاهدها باستمرار بشوارعنا أصبح لها أهميتها في أوساط الفتيات المدخنات عن طريق تداول أرقامهم بين الفتيات لشراء الدخان منهم أو إيصاله مهما كان المقابل.. وهي التي فتحت ذريعة أخرى أعظم من جميع ما سبق في حال عدم توفر المادة لشراء الدخان.. ما هو المقابل يا ترى؟.. ومتى يكون موعد الطلب والتسليم؟.. هل هو في وضح النهار؟ حتماً لا.. وفي حال كان الممول السائق الخاص للعائلة مثلاً ماذا يُخبئ خلف خدماته هذه التي يقدمها؟
إن وجود مثل هذه المحلات داخل النطاق العمراني يجعلها تحت عين الرقيب والغيور وولي الأمر والجهات الرقابية.. وفي حال وجود أطفال أو مشاهدتهم قريبين من هذه المواقع فإنه يتم اكتشاف ذلك مبكراً ومعالجة الوضع قبل وقوعه.. كما أن الأحداث سيترددون كثيراً من المغامرة في دخول محل مخصص لبيع الدخان داخل الحي على مرأى من الناس.
يُمنع دخول النساء
تضع محلات بيع الأشرطة الغنائية لوحة تفيد بمنع دخول النساء.. فلماذا لم تُستخدم هذه اللافتة كعلاج مبدئي.. وفي حال شوهد حدث أو امرأة داخل المحل تتم المعاقبة في حينها والإبلاغ كما طلب الإبلاغ عن من يبيع الدخان في المحلات التي لا تزال تبيع حتى الآن.. كان الكي قديماً هو العلاج لأي مرض لضحالة الثقافة في ذلك الوقت.. ونحن الآن مع الأسف نعود إلى العصور القديمة (للكي) لكل ما نعتقد أنه معضلة.. مستصعبين البحث عن علاج حديث ومتطور من خلال التثقيف والتوعية ومنطقية الحوار وبطرق حضارية.