Al Jazirah NewsPaper Sunday  02/05/2010 G Issue 13730
الأحد 18 جمادى الأول 1431   العدد  13730
 
بين إهمال المديرين وغياب مبدأ الثواب والعقاب
الفشل عندما تغيب ثقافة العمل..!!

 

تحقيق - عبدالله بن ناصر الخزيم

لا يخفى ما للثقافة «المهنية» والإلمام بها وتجسيدها في واقع الحياة العملية من أثر وقيمة نحو دفع عجلة العطاء لهذه المنشأة أو تلك بيد أن المتأمل في هذا يجد شواهد تؤكد أن ثقافة المهنة في منأى عن بعض ميادين العمل بصورة قد تتفاوت من جهة إلى أخرى ومن مسؤول لآخر في وقت تبرز فيه ثقافة «الارتجال» على حساب تفعيل اللوائح والأنظمة أو بروز ظاهرة «الواسطة» على حساب الأحقية وسلب صاحبها ما تكفله له التنظيمات وتقر به التشريعات العملية.

والواقع يقول إن ثمة جهات تتبنى مهام التدريب للموظفين والعمل على تطوير أدائهم بيد أن المحصلات لا تكاد ترتقي للمستوى المأمول الأمر الذي دفع لهذا التحقيق لنقف على كنه القضية وما هيتها.

وقبل أن نقلب الصفحات مع ضيوفنا ثمة شاهد ننقله من معاناة حقيقية تختصر الكثير من العبارات وتضعنا على عمق القضية التي نحن بصددها ولا أخفي أنها السر الباعث نحو هذا التحقيق.

يقول صاحب القضية بأنه قد وكل فلاناً من الناس في بعض شؤونه غير أنه مع مرور الزمن اكتشف أنه أخطأ التقدير وأنه وضع ثقته بمن هو ليس جدير بها فما كان منه إلا أن عمد للجهة المعنية سعياً وراء إلغاء الوكالة ليصطدم بالرد من قبل الموظف المختص بالقول: بحتمية حضور من وكلته لإتمام مهام إلغاء الوكالة ؟! بيد أنه لم يكن بوسعي إحضار الوكيل (المراوغ) الذي بقي على وكالته حتى كنت ذات مساء في مجتمع استدعى فيه الأمر عرض معاناتي ليأتي صوت أحد الحضور متسائلاً من قال لك إن حضور الموكل أمر محتم لإلغاء الوكالة فرددت بتوضيح أن هذا ما أفادني به الموظف المختص في المحكمة فما كان منه إلا أن أبلغني أنه سيبعث لي بما يثبت عدم اشتراط حضور الموكل لإلغاء الوكالة، ففعل وتلقيت خطابه لأحمله متجهاً للموظف الذي وأمام مشاهدة ما يدمغ مذهبه ويكشف موقفه الارتجالي أذعن وعمل على إكمال إجراءات إلغاء الوكالة دون حضور الموكل. ما تقدم يمثل صورة من شواهد غياب الثقافة المهنية وما هو مبلغ ضررها.

لنعود لقضيتنا مدار هذا التحقيق والذي تحدث من خلاله بداية د. محمد بن علي القضيبي مدير مجمع الراجحي التعليمي لتحفيظ القرآن الكريم بالبكيرية، فقال: أقامت الدولة حفظها الله هيئات ودوائر ومؤسسات حكومية، فوظفت الكوادر الوطنية، وسنت اللوائح والإجراءات النظامية بأسس علمية قام بهندستها مجموعة من الخبراء والعلماء المتخصصين التي تواكب التطور العلمي والتقني المتسارع، لتكسب الموظف المهنية المطلوبة وتساعده على تقديم الخدمة الموكلة إليه بكفاءة عالية، لذا أصبحت الحاجة إلى المهنية في عقل ونفس الموظف لتترجم إلى سلوك وأخلاق مهنية تقدم منجزات ذات جودة عالية وهذا بالطبع لن يتأتى إلا بالتدريب الدوري والتثقيف الذاتي، والاطلاع المستمر على المستجدات والتطورات حول الإجراءات والأنظمة المتجددة، ولكن مما يؤسف له أن تجد البعض من هم على رأس العمل يفتقدون إلى المهنية في عملهم إما لعدم كفاءتهم أو لفقدان مهارتهم، أو لجهلهم.. فالمهنية كما يعرِّفها أهل الاختصاص هي مجموعة من الأعمال التي تتطلب مهارات وإجراءات معينة يؤديها الفرد من خلال ممارسات تدريبية.. فعندما يفتقد الموظف إلى تلك المهارات المطلوبة للوظيفة أو يجهل الأنظمة والإجراءات المتبعة في أداء عمله فإنه حتماً سيكون سبباً في الوقوع بالأخطاء التي تفرز أنواع وأشكال من الفساد الوظيفي الذي حذر منه خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وسدد خطاه وشن عليه حرباً لا هوادة فيها للقضاء على هذا الوباء الفتاك وتعريض كل مفسد متهاون للمحاسبة.

فمن الأمثلة الواقعية على ضعف المهنية وما تسببه من نتائج سلبية فعندما تقف كمواطن على الغش التجاري والغلاء في الأسعار غير المبررة من قبل بعض الجشعين من التجار كما حالنا اليوم فإن المواطن يحتار لمن يلجأ لمعالجة هذا الاستغلال ولا يجد أحداً يقوم بالعلاج أو التوجيه من قبل المسئول الذي عرض عليه القضية سواء في بلدية أو تجارة أو غيرها بسبب الجهل أو اللامبالاة حتى بلغ بالمواطن أنه يرى الغش أو الغلاء فلا يحرك ساكناً ولا يبالي به فيتمادى الجشعون ويستمرون بالغلاء أو الغش بلا رادع ولا محاسبة والضحية المواطن.

أمثلة كثيرة نجدها منتشرة في كثير من موظفي المؤسسات التي تحتاج بالفعل إلى إعادة تأهيل العاملين فيها لكي ترفع من مستوى مهنيتهم وذلك بإلحاقهم في دورات تغرس فيهم المهنية وأخلاقها وتثقيفهم بالمنشورات والمحاضرات والندوات وصقلهم بالخبرات والمعارف المتجددة من قبل المتخصصين والخبراء وربط العلاوات بمستوى جودة الإنتاجية.. فالوظيفة هي كيان نظامي يتضمن مجموعة من الواجبات والمسؤوليات توجب على شاغلها التزامات معينة، مقابل تمتعه بالحقوق والمزايا الوظيفية.. وديننا يحثنا على المهنية والجدية في العمل ليكون العمل متقناً.. يقول عليه السلام: (إذا عمل أحدكم عملاً فليتقنه).. وإتقان العمل لا يتأتى إلا بالمهنية العالية من قبل العامل والموظف.

ثقافة الإهمال

فيما قال م. عبدالله الطريزاوي رئيس بلدية محافظة البكيرية: نستطيع ان نوصف الظواهر الممتدة لتجليات الإهمال وعدم الجدية في أداء العمل ومتابعته الي بروز نمط ثقافي شائع يمكن أن نطلق عليه ثقافة الإهمال وعدم الجدية والمسؤولية‏,‏ ونقصد بذلك ما يلي‏:‏ بروز مجموعة من العادات والسلوكيات الوظيفية والمهنية والإدارية والأمنية تتمثل في اللامبالاة بأداء العمل المنوط ببعض المهن والأعمال -أيا كانت- بالكم والنوعية والكفاءة المطلوبة في كل أو بعض مراحل هذا العمل‏.‏ من ناحية ثانية‏:‏ شيوع بعض العادات الذهنية والسلوكية تتمثل في الكسل الذهني والترهل والتراخي والبطء السلوكي في أداء العمل ومتابعته في إطار شروطه ومعاييره‏,‏ ناهيك عن التعود علي عدم التبصر واليقظة في متابعة العمل بعد أدائه‏,‏ وملاحظة مدي قدرة العمل‏,‏ أو الجهاز أو النظم أو العمالة علي الوفاء بالمهام المنوطة بهم‏,‏ وبها‏.‏

الوجه الآخر لثقافة الإهمال وعدم المسؤولية والتراخي‏,‏ هو ضعف ثقافة العمل ومحبته والتفاني في أدائه‏,‏ واعتباره قيمة عليا دالة علي الوجود والحضور الإنساني الفاعل للفرد ومكانته في المجتمع أيا كانت‏.‏

ثمة تراجع لثقافة العمل كمجموعة من القيم والتقاليد والعادات التي تمثل موقفاً إيجابياً من العمل كقيمة فردية واجتماعية ومهنية ووظيفية وقومية‏,‏ من حيث المبادرات‏,‏ وإعادة التأهيل لأداء العمل المطلوب كماً ونوعاً وفق الشروط والمعايير القياسية المرتبطة بالعمل ومجاله‏,‏ وعلى نحو يتسم بالكفاءة والمهنية ويأتي بالنهاية المستوى التعليمي والثقافة المهنية والبرامج التدريبية التي يحظى بها أي موظف أين كان قيمته بأي منظمة داخل أي مجتمع فالحضارات تتقدم بمستوى ثقافة مجتمعها.‏

من جانبه قال د. محمد بن علي المحسن مدير مكتب التربية والتعليم بمحافظة البكيرية: الثقافة المهنية لكل العاملين تندرج تحت مجموعة من الجوانب هي العامل أو الموظف أي الشخص نفسه، ثم العمل أو المهنة، ثم الخدمة المقدمة والمستفيد.

أولاً: المهنة نفسها من المهم أن تكون موصفة ومحددة ومنظمة ومقننه بقوانين لأداء العمل وواضحة للعامل أو الموظف ويمكن تدريبه عليها ثانياً: الموظف فواجبه تعلم كل ما يخص العمل وعلى الرئيس تعليم الموظف ما يخص جانب الوظيفة من القوانين والتنظيمات وكيفية العمل وتقديم الخدمة للمستفيد وقوانين حماية الموظف وما له وما عليه وعادة ما تكون التعليمات مكتوبة لكن يغفل أو يتجاهلها الرئيس أو الموظف أو لا يعتقد بأهميتها ثم يكون التقصير والخلل في تقديم الخدمة للمستفيد أو الضرر على الموظف ثالثاً: الخدمة المقدمة للمستفيد تحدد وترسم أبعادها وطريقة تقديمها وكيفية الاستفادة منها وشروط تقديمها ولمن تقدم ويستفيد منها ويكون بشكل واضح للجميع الموظف والرئيس والمستفيد ليمكن الاستفادة بشكل واضح وتام من الخدمة أو الوظيفة، فنجد موظف لا يقدم الخدمة للمستفيد بشكل صحيح أو يتأخر فيها أو لا يقدمها أصلاً بسبب قلة أو ضعف ثقافته المهنية تجاه العمل أو الوظيفة وبواحد من الأسباب السابقة قد تحصل كارثة إما للموظف أو للوظيفة أو للمستفيد من الخدمة مثال الضرر الحاصل للموظف أن يتجاوز الموظف حدود وتعليمات الوظيفة فيقدم خدمة للمستفيد وقصده مساعدته أو يقصر في تقديم الخدمة جاهلاً تنظيمات وترتيبات العمل فيضيع الوقت والجهد على المستفيد ثم يحاسب عليها الموظف ويتضرر في عمله، ومثال تضرر المهنة أو العمل، حيث لا تحترم التنظيمات والتعليمات من المستفيدين بسبب التساهل في تطبق تعليمات المهنة فتتكون الفوضوية. وتتضرر الخدمة ويؤدي التجاوز في المهنة إلى ضرر المستفيد نفسه في أحواله الحياتية في السكن أو المرافق العامة أو الخدمات وهنا من المهم عقد الاجتماعات مع الموظفين لتبيين حدود وقوانين العمل وما للموظف وما عليه وكيف يقدم العمل وحدود التعامل وكيفيته مع الرئيس والمرؤوس.

قضية توهتها اللجان

وقال أحمد بن سليمان السعيد مشرف تربوي يضل اليوم الموظف حائراً في دوامة الأعمال الملقاة على عاتقه بعد أن أمضى الكثير من الوقت من أجل الحصول على فرصة عمل، وما إن يبدأ في استلام مهام عمله لا يستحضر قيمة ما يؤديه ولا معرفة حقوق ذلك المراجع الذي تضل أعصابه مشدودة حتى تنتهي معاملته خوفاً من عرقلة هذا الموظف الذي ينقصه الكثير من ثقافة العمل.

إن السبب الرئيس من وجهة نظري حول غياب تقافة العمل لدى موظفينا اليوم هي تلك السياسة التي تسيطر على بعض المسؤولين في دوائرنا الحكومية من عدم إيضاح الكثير من النقاط للموظف البسيط، مع كل أسف أن المسؤول المباشر أكبر همه إغلاق باب مكتبه وتناول القهوة والشاي واستقبال من يريد وتحديد موعداً لاحقاً لمن لا يريد استقباله من المراجعين بل وموظفي دائرته، ناهيكم عن انشغاله في تصفح النت أو الرد على على مكالمات قد تكون بعيدة كل البعد عن هموم العمل في بعض دوائرنا قلما تجد الرئيس المباشر يأخذ جولة في مكاتب موظفيه مع إشراقه صباح يوم مفعم بالنشاط والحيوية ليرفع من همم أولئك الموظفين ويحفزهم على العمل وتكون هذه الزيارة دفعة لهم إلى الأمام بل يتعدى نفع مثل هذه الزيارات غير المخطط لها إلى الرفع من معاناة البعض وتلمس احتياجاتهم والرد على الكثير من استفساراتهم وبعض الإشكاليات التي قد يواجهونها كيف لوقام بمقابلة المراجعين وسؤالهم عن مدى الرضى عن الخدمات المقدمة لهم من قبل موظفيه.

لا أدري هل نقول إن ثقافة العمل غابت حتى عن كبار المسؤولين مع كل أسف. يبقى الحديث عن ثقافة العمل لا تنتهي بانتهاء هذه الكلمات لكن الكرة في مرماكم أيها المسؤولون وقد وضعت الثقة بكم من قياداتنا العليا.




صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد