Al Jazirah NewsPaper Monday  03/05/2010 G Issue 13731
الأثنين 19 جمادى الأول 1431   العدد  13731
التعداد السكاني وحاجتنا إليه
محمد سعد السعيد

لعله لا يغيب عن أذهاننا ولا يخفى أن مما عُني به الإسلام التعاون في وجوه الخير، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، فالتعاون أساس النجاح وبالتعاون نبني أمماً ونبني شعوباً ومجتمعات راقية.

وبالتعاون نصل إلى الأهداف المنشودة وما نصبو إليه. ألا وإن من مجالات التعاون ما نحن بصدده في منتصف هذا الشهر، وهو التعاون مع الدولة -وفقها الله- في إنجاح خطة الإحصاء والتعداد السكاني الذي عدَّه بعضُ العلماء سنة في حق الإمام إذا كان فيه مصلحة عامة للمسلمين.

والتعداد له أصل في السنة وفعل الصحابة، لما ورد في الصحيحين عن حذيفة - رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أحصوا لي كم يلفظ الإسلام، قال: فقلنا يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين ستمائة إلى سبعمائة؟ قال: إنكما لا تدرون لعلكم أن تبتلوا، قال فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سراً). فالرسول الله صلى الله عليه وسلم هنا أمر بالإحصاء لما فيه من المصلحة بمعرفة عدد المسلمين والتخطيط لمستقبلهم.

وهذا عمر -رضي الله عنه- استعمل الإحصاء في الرخاء والشدة لحرصه واهتمامه بمصالح المسلمين، فقد ورد أنه ورده مال كثير فاستشار أصحابه فيه، فكان أن أشار عليه عثمان رضي الله عنه بأن قال: (أرى مالاً كثيراً يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى تعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشية أن ينتشر الأمر) (رواه ابن سعد) فحين ذلك دون عمر -رضي الله عنه- الدواوين.

وفي عام الرمادة حصلت مجاعة شديدة ضربت بلاد العرب، فتجلبت العرب من كل ناحية قدموا المدينة، فكان عمر -رضي الله عنه- قد أمر رجالاً يقومون عليهم، ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم، فكان عمر في كل ليلة إذا تعشى الناس قال لأصحابه: أحصوا من تعشى عندنا، فأحصوهم ليلة فوجدوهم سبعة آلاف.. إلخ، الأمر الذي رواه ابن سعد. وما فعل ذلك إلا لمصلحة بينة وفائدة عظيمة.

وإحصاء السكان له فوائد عظيمة ومنافع جمة، ولو ما فيه من المصلحة إلا طاعة ولي الأمر الذي أوجب الله طاعته، قال تعالى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ?، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني، ومن أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله) رواه البخاري.

وفيه من المصالح: أن معرفة عدد السكان والمقيمين له علاقة مطردة باقتصاد البدل وميزانية الدولة، وبمعرفته تتحدد المشاريع ويخطط لها، وبذلك ندفع بعملية تنمية البلاد وتطورها إلى الإمام؛ فالمدينة أو القرية التي يقطنها خمسة آلاف نسمة تحتاج من المشاريع ما لا تحتاجه المدينة أو القرية التي لا يتجاوز سكانها ألفي نسمة كالمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والمراكز الأمنية وغيرها من الخدمات التي يحتاجها المواطن وغيره.

وبالإحصاء نعرف عدد العاملين وعدد العاطلين فيُحدث لهم وظائف تناسبهم فيعملوا كغيرهم حتى لا يصيروا عالة على أنفسهم ومجتمعاتهم.

ويعرف به عدد الفقراء فيوضح لهم مساعدات مالية أو يضافوا في بيانات الضمان الاجتماعي.

ويعرف به عدد العوانس والمطلقات والأيتام والعزاب فيوضع لهم برامج لمساعدتهم وتصحيح أوضاعهم.

ويعرف به المستوى التعليمي ومدى انتشاره ونسبة الأمية فيعمل على إقامة برامج ومراكز لمحاربة الأمية خاصة في القرى والهجر التي تكثر فيها.

ويعرف به المستوى العام لصحة المجتمع واكتشاف ما إذا كان هناك أمراض وبائية تحتاج إلى وضع برامج صحية للوقاية من تلك الأمراض ومحاربتها وهذا لا ينافي التوكل على الله، بل هو من فعل الأسباب المأمور بها.

ومنافع الإحصاء والتعداد لا حصر لها. والسؤال الذي يطرح نفسه ما هو دورنا وواجبنا نحن المستهدفين من التعداد من مواطنين ومقيمين؟ إن دورنا وواجبنا عظيم وكبير يتمثل في التعاون مع موظفي ومنسوبي التعداد بأن نفتح لهم قلوبنا قبل بيوتنا، وأن نتعامل معهم بالأخلاق الحسنة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق) رواه الترمذي، ولما سئل -صلى الله عليه وسلم- عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الكلمة الطيبة صدقة)، (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، لأن من الناس من لا يفتح الباب لموظف التعداد ومنهم من يفتح الباب بوجه عبوس ومعاملة سيئة لا تليق بالمسلم مع أخيه المسلم وعلينا أن نبرز لهم ما يطلبوا منا من وثائق ومستندات مثل بطاقة الأحوال ودفتر العائلة وغير ذلك.

وعلينا أن نعطيهم المعلومات المطلوبة منا بكل صدق ومصداقية وأمانة؛ لأن هذه المعلومات ستخضع لدراسات وبحوث لعل فيها مصلحة وخيراً للجميع، والإسلام حث على الصدق وأمر به، قال -صلى الله عليه وسلم-: (إن الصدق يهدي إلى البرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) متفق عليه.

كما أن الواجب على موظف التعداد أن يصبر على أذية بعض الناس وسوء تعاملهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)، كما عليه أن يتأكد من نقل المعلومات وأن تكون موثقة وصحيحة مأخوذة من رب الأسرة وكبير السن ولا يعتمد في ذلك على الأطفال وحدثاء الأسنان، وعليه أن يتحاشى الاحتكاك بالنساء لأنهن حبائل الشيطان، وعليه أن يغض بصره إذا احتاج الأمر إلى سؤالهن، قال تعالى: ?قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ... الآية? (30) سورة النور.

وإذا لم يجد صاحب المنزل أو لم يفتح له فعليه أن يرجع مرة أخرى لأخذ المعلومات، وعليه أن يختار الأوقات المناسبة لطرق الأبواب وسؤال أصحاب المنازل، وأن لا يبني معلومات على الظن والتخمين.

فعلى الجميع تقوى الله عز وجل والتعاون فيما يخدم المصلحة العامة ويكون سبباً في رقينا وتقدمنا وصالح أمرنا.

- إمام وخطيب جامع سلطانة الشرقي بالرياض



صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد