في كلمة شهيرة للنجم المصري عادل إمام يقول عند تقييمه لنفسه وما يطرحه للجمهور (بأن قلبي مع شباك التذاكر فهو الذي يحدد كل شيء فأنا مع جمهوري ورغبته وهم من يحدد نجوميتي فإذا كان شباك التذاكر مزدحماً فأنا ناجح لأني أرضي جمهوري!!)
هذا الحديث متفهم جداً، ومنطقي جداً أن يصدر من فنان سينمائي، أو نحوه كلاعب رياضي يحدد جمهوره بقاءه في المستطيل الأخضر من عدمه، وحتى لو قال هذا الحديث سياسي فهو غير مرفوض؛ لأن للسياسة حدودها ومعالمها والتي تستمد في بعض الأحيان قوتها من عامل الحضور الجماهيري ودعمها. ولو تحدث عن رضا الجمهور رجل أعمال لقلنا صدقت؛ لأن رجل الأعمال قلبه وتفكيره مرتبط برضا المستهلك عنه وعن سلعته. ومثل ذلك من رشح نفسه لانتخابات في مكان ما فلا بد أن يتحدث بحسب رغبة جمهوره وطلباتهم، ولو صاحب حديثه وعود لم ينفذها فهذا غير مستغرب؛ لأن ما قبل الانتخابات شيء، وما بعدها شيء آخر مختلف تماماً.
لكن لو أتى طالب علم شرعي أو داعية يوجه الناس ثم يشكل جمهوره ما يصدر عنه من فتوى أو رأي لكانت هذه ثالثة الأثافي والمصيبة التي ليس بعدها مصيبة! لأننا نعرف في أبجديات ديننا أنه لا يجوز أن يحدد الجمهور مسار الفتيا، بل الدليل الشرعي من القرآن الكريم والسنة المطهرة هما مصدر العالم والداعية في ما يصدر عنه من فتاوى واجتهادات وآراء وقبل ذلك سلوكه الشخصي.
وبحسب علماء الأمة القدامى - وقبل ذلك النصوص الشرعية - فإن طلب العلم سبب في تغير حياة العالم والداعية إلى مرحلة السمت والوقار، وأن يكون الحق هو وجهته دون النظر في أي اعتبار آخر، حتى أنه ينقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه يرى أن الجماعة هي ما وافق الحق ولو كنت وحدك!! دون النظر إلى رغبة الجمهور من عامة الناس ممن تأخذهم العواطف يمنة يسرة وممن يفتقدون إلى العلم بالمصالح والمفاسد، وما يجب أن يقال وما ينبغي ألا يقال.
ففي أثر جميل للعالم الشهير في تراثنا القديم، يقول الحسن البصري: كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه وبصره ويده.
هذا الأثر الجميل يرسم تصوراً دقيقاً لأي شخص حتى ولو كان من عامة الناس بأن العلم الشرعي النافع يخطو بصاحبه خطوة كبيرة في ميدان السلوك الشخصي قبل أي جانب آخر، ثم يكون ذلك سبباً لخروج الفتاوى والتوجيهات والمواعظ منه وفق توجه علمي، وليس للشهرة أو الحضور الجماهيري أو الكسب المادي.
وليس سراً أو أنه حديث يتداول في مجالس خاصة ما يصدر عن بعض من عرف بالعلم الشرعي أو حسب عليه من خروج اجتهادات أو فتاوى أو أطروحات من شأنها الإثارة الإعلامية أكثر من جوانب التوجيه العلمي..
هل هذا ما يريده بعض الدعاة؟!!
وهل هذا ما يريده السائل المتعطش للاستزادة في دينه من العلماء والدعاة؟!
ومع أني في حديثي هنا لم ولن أتحدث عن نوايا هؤلاء الدعاة من قريب ولا من بعيد، بل إني أفترض فيهم حسن النية والمقصد، وإنما أناقش طرحاً على الساحة لمعرفة الصواب والخطأ.
ولمحاولة مناقشة الفكرة أمام الجميع، وبخاصة لأوصل رسالة لكل راغب في الاستزادة الشرعية عن صفات أهل العلم الذين يرجع إليهم كون هذا الموضوع المهم نقطة مهمة عند علماء الأمة القدامى والمعاصرين كون المنهجية المثلى في التعامل مع الجمهور كانت الجانب المركزي والمهم في كثير من هذه الكتب الصادرة من علماء لهم وزنهم وثقلهم في تاريخنا الإسلامي المشرق.
وهنا يطيب لي أن أترككم مع نصوص في غاية الأهمية شكلت منهجاً لكل طالب علم، بل وكل عالم كونها حثت صاحب التخصص الشرعي إلى جوانب مهمة، مثل السمت وإنضاج الفكرة وعدم الحرص على التصدر والرئاسة أو الظهور. وأن الهدف الأسمى هو التوجيه وإيصال الرسالة الراقية بأرقى أسلوب.
كيف يتعامل العالم مع الناس عند الخليفة الراشد عمر؟!
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (تعلّموا العلم، وتعلّموا له السكينةَ والوقار، وتواضعوا لمن تعلّمون، وليتواضع لكم من تعلِّمون، ولا تكونوا جبابرة العلماء، ولا يقوم علمكم مع جهلكم).
العلم والأدب يجب أن يكونا شقيقين
لا تحتاج -عزيزي القارئ- إلى الكثير من التعليق على النص التالي كونه يبين أهمية أن يصاحب العلم الأدب في تحصيله، ومن ثم طرحه ونشره بين الناس، فكيف نقيم عالماً خرج عن حدود الأدب مع الآخرين؟!
التقييم هنا:
قال يحيى بن محمد العنبري المتوفى سنة 344 هـ: (علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كجسم بلا روح!!)
البحث عن الشهرة الداء الأكبر!!
هل تصدقون أنه، وفي القرون المتقدمة، بل والمتقدمة جداً، كان الحديث عن التحذير من البحث غير المقبول عن الشهرة عند طالب العلم الشرعي مطولاً والتحذير منها كبيراً، كون الداعية وطالب العلم متى ما انصرف للبحث عن الشهرة وتكوين جمهور فإن الطرح العلمي سيكون هو الضحية وستكون الفتاوى بحسب رغبة الجمهور، فإذا كانت الشريحة المقربة من هذا المفتي متشددة فإن الفتاوى والطرح سيكون متشددا، ولا أريد أن أذكر بعض الأمثلة حتى لا ينشغل بعضنا بمناقشة الأمثلة على حساب الفكرة الرئيسة لهذا الموضوع.
يقول الشيخ سعود الشريم، إمام الحرم المكي وخطيبه، في إحدى خطبه، ومن على منبر المسجد الحرام: حب الشهرة مرض عضال يورث الأنانية وحب الذات والإعجاب القاضي على معرفة عيوب النفس. ويقول الشريم أيضا في هذه الخطبة: والذي سيقرأ التاريخ سيجد كمًّا كبيرًا من ضحايا حب الشهرة دون التاريخ عبرتهم وصاروا مثلاً لكل متعظ.
ومن أهم وأبلغ ما قال الشريم في خطبته هذه مخاطبا من بحث عن الشهرة، وهو متواصل مع الآخرين: عباد الله.. إن خطورة طالب الشهرة وعاشقها ليست من الأخطار القاصرة على نفس المشتهر فحسب، بل إنها من المخاطر المتعدية إلى غيره، والخطر المتعدى أولى بالرفع والدفع من الخطر القاصر لئلا يتضرر به الآخرون؛ لأن عاشق الشهرة لو تُرِك له المجال فسيفسد في الآخرين من حيث يشعر أو لا يشعر؛ لأن شهرته حجبت عن الناس الفرز والتنقية في باب التلقي عنه، وشهرته ستوجد له أتباعًا وأشياعًا من لدن الأغرار من الناس ودهماء المجتمعات..
الداعية لا ينال من الأعراض أو يبحث عن الأعواض!!
كم هو محزن أن تجد عالماً أو داعية تحول إلى رجل أعمال، وجعل الدين بضاعته، والعلم تجارته، ويتجلى هذا فيمن يرهق الناس بالوصول إليه عن طريق الأرقام الهاتفية أو الرسائل ذات التكاليف الباهظة، قياساً بدخل الشريحة الكبرى من المجتمع، ومع أني لا أمانع من أن يكون العالم أو الداعية طالباً للرزق بل ويتوسع في ذلك، ولكن ببضاعة أخرى غير الدين والإفتاء.
من علماء القرن الخامس الهجري عالم شهير ألّف الكثير من الكتب في موضوعات العلم والتعلم، هذا العالم هو الخطيب البغدادي، المتوفى في سنة (463 هـ) ومن كتبه الشهيرة في هذا المجال كتاب (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) وهو مطبوع أكثر من طبعة وبعدة تحقيقات ويقول في هذا الكتاب المميز محذرا طالب العلم من استثمار العلم وهو مشروع ديني استثمارا تجاريا أو شخصيا:
وليحذر أن يجعله سبيلاً إلى نيل الأعراض، وطريقاً إلى أخذ الأعواض, فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه.
ويقول ابن جماعة الكناني، وهو من علماء القرن الثامن الهجري، حاثاً طالب العلم على أن لا تكون الدنيا أكبر همه: أقلّ درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا؛ لأنه أعلم الناس بخستها وفتنتها وسرعة زوالها وكثرة تعبها ونصبها، فهو أحقّ بعدم الالتفات إليها والاشتغال بهمومها.
ابتعد عن الأغراض الدنيوية وحب الرئاسة!!
وقال عالم الحديث الشريف المعروف بابن الصلاح (المتوفى سنة 643هـ) في كلمة توجيهية لمن درس الحديث النبوي الشريف وتخصص فيه (علم الحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم, و ينافر مساوئ الأخلاق ومشاني الشيم, وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا, فمن أراد التصدي لإسماع الحديث أو لإفادة شيء من علومه, فليقدم تصحيح النية وإخلاصها, وليطهر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها وليحذر بلية حب الرئاسة ورعونتها.
ابن باز يوصي الداعية بعدم معالجة المنكر بمنكر أعظم منه!!
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في رسالة له لمن توجه للعمل الدعوي ومخاطبة الجمهور للحث على الصفات المميزة والطيبة:
(والذي ينتصب لهذا الأمر يجب عليه أن يعنى بهذا الأمر حتى يكون على بصيرة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ليضع الأمور في مواضعها؛ فيضع الدعوة إلى الخير في موضعها، والأمر بالمعروف في موضعه، على بصيرة وعلم حتى لا يقع منه إنكار المنكر، بما هو أنكر منه، وحتى لا يقع منه الأمر بالمعروف على وجه يوجب حدوث منكر أخطر من ترك ذلك المعروف الذي يدعو إليه، والمقصود أنه لا بد أن يكون لديه علم حتى يضع الأمور في مواضعها).
وابن عثيمين يوصي طالب العلم بالتثبت
ومن أهم ما نشاهده ونلحظه من بعض مفتي الفضائيات أنهم يبنون على السؤال جواباً دون التثبت من المعلومات الواردة في السؤال؛ فتجد أن أحد السائلين ينسب قولاً لإعلامي أو نشاط رجل أعمال، أو شخصية عامة، فما يكون من هذا الداعية إلا أن يبني على هذه المعلومات الواردة في السؤال فتيا تطير بها الركبان، مع أنه لو تتثبت لكان الجواب أدق؛ لأن المعلومات قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، وفي الأعم الأغلب أن المعلومات تكون خليطاً من صحيح وغير صحيح..
وقد تحدث في هذا المجال المهم الشيخ الراحل محمد بن عثيمين - رحمه الله - بكلام رائع أتمنى أن يكون في ذهن الكثير منا عند السؤال وعند مطالعتنا لبعض برامج الفتاوى في الفضائيات التي تأتي بمن هب ودب.
يقول رحمه الله: ومن أهم الآداب التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم التثبت فيما ينقل من الأخبار والتثبت فيما يصدر من الأحكام، فالأخبار إذا نقلت فلابد أن تتثبت أولاً: هل صحت عمن نقلت إليه أو لا، ثم إذا صحت فتثبت في الحكم ربما يكون الحكم الذي سمعته مبنياً على أصل تجهله أنت، فتحكم أنه خطأ، والواقع أنه ليس بخطأ.
ولكن كيف العلاج في هذه الحال؟
العلاج: أن تتصل بمن نُسب إليه الخبر، وتقول: نقل عنك كذا وكذا: فهل هذا صحيح؟ ثم تناقشه فقد يكون استنكارك ونفور نفسك منه أول وهلة سمعته لأنك لا تدري ما سبب هذا المنقول، ويُقال: إذا علم السبب بطل العجب، فلا بد أولاً من التثبت في الخبر والحكم، ثم بعد ذلك تتصل بمن نقل عنه وتسأله: هل صح ذلك أم لا؟ ثم تناقشه: إما أن يكون هو على حق وصواب فترجع إليه أو يكون الصواب معك فيرجع إليه.
آفة العلم!!
يقول العلامة الراحل الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، الرئيس السابق لمجمع الفقه الإسلامي، وعضو هيئة كبار العلماء سابقاً، في كتابه المميز (حلية طالب العلم) موجهاً من طلب العلم الشرعي بأن لا يتصدر لإفتاء الجمهور قبل أن يكون متأهلاً تأهيلاً علمياً مناسباً:
احذر التصدر قبل التأهل، هو آفة في العلم والعمل، وقد قيل: من تصدر قبل أوانه، فقد تصدى لهوانه.
قبل الختام
المقصود بهذا الحديث هو أنت أخي القارئ الكريم، فمن حقك ويجب عليك في الوقت نفسه أن تعرف صفات من يؤخذ عنهم العلم والفتوى والتوجيه؛ لأن الشهرة والإطلالة التلفزيونية المتكررة أو عبر الانترنت ليست كافية؛ لأن يطلق على صاحبها شيخ أو عالم أو داعية، فهذه صفات تعب عليها أصحابها حتى استحقوها عن جدارة.
وهنا، أرجو أن أكون قد وفقت في تقديم هذا الموضوع الذي يشغل بالنا جميعا في مجتمع محافظ يرى للعالم مكانته الكبيرة.
وفي الختام
أشكر كل من اطلع على مسودة هذا العمل وأبدى ملحوظة أو وجهة نظر كان لها أكبر الأثر في خروج هذا المقال بهذه الصورة بين يديك، وبالله التوفيق.
للتواصل
tyty88@gawab.com