|
قررت قضاء خمسة أيام في منطقتي عسير وتهامة، فامتطيت (الماسورة)، وكان الإقلاع في موعده، الخامسة والنصف صباحاً، والرحلة لا بأس بها، ورغم برودة الجو في أبها، فقد كان ممتعاً، وصلّيت الجمعة في مسجد (جامع) عبد الله بن إلياس بحي الضباب على الدائري (الحزام) الجنوبي أو الشرقي (الشك من الراوي)، وكانت الخطبة رائعة، جزى الله الخطيب (الذي لم أستطع معرفة اسمه) كل خير، فقد كان موضوع الخطبة (الفاجر .. في الخصومة)، وقد أجاد وأفاد، وقال لي أحد جيران الجامع إنّ الخطيب يمتاز بالاختصار وجودة خطبه، وفائدتها، وأضاف أنّ الناس يقصدون هذا الجامع من أماكن متفرقة، ورأيت الناس يصلّون في الأرصفة لامتلاء المسجد.
|
|
وفي شوارع أبها تسمع أبواقاً مزعجة (تخفس الآذان) ليت المرور يقضي عليها، بعد أن يثقف أصحابها، ويرشدهم إلى ضررها وإزعاجها للناس، ومخالفتها للحضارة والتحضر.
|
|
وكنت أخذت سجادتي - كعادتي في كل جمعة - ففوجئت بأنّ معظم الناس معهم سجادات، كلٌ يصلي على سجادته، بعكس سكان الرياض الذين يأتون لصلاة الجمعة (يطوحون يديهم)، أي أيديهم فارغة من السجادات فيضطرون للصلاة على الأرض إذا امتلأت الفرش بالمصلين.
|
وكنت كتبت عن هذا في إحدى فقرات (أكثر من موضوع) الماضية بعنوان (سجادة لكلِّ مصلٍّ).
|
وقد طوّقني الأساتذة: إبراهيم فقيه وأولاده (في أبها)، وراشد الحديثي وأولاده في أبها وتهامة (الدرب)، ومحمد بن إبراهيم الحديثي وأحمد صالح وإبراهيم الناصر في أبها بكرمهم ولطفهم وأريحيتهم فشكراً لهم.
|
|
|
إن تُتهمي فتهامة وطني
|
أو تُنجدي فالهوى نجد
|
هبطنا من أبها إلى الدرب في سيارة الأستاذ سعيد بن محمد واستقبلنا أخونا العزيز راشد بن إبراهيم الحديثي في منزله الواقع فوق أكمة، وذهبنا للبحر، بحر مدينة بيش، ووجدنا شاطئاً جميلاً نظيفاً (رملياً)، لولا ما حوله من أوساخ مؤذية يتركها إخواننا الذين تنقصهم الثقافة، وينقصهم الوعي بضرر ما يرمونه هناك! وهذا - مع الأسف - موجود في معظم مدننا وقرانا ومتنزهاتنا وطرقنا بل وشوارعنا وبرارينا وروضاتنا وشعابنا وأشجارنا.
|
|
استمتعت يوماً كاملاً بالسباحة في البحر، بعد حرمان منه في الرياض عدّة أشهر عجاف، وللبحر - كما تعلمون - عدّة فوائد ومحاسن منها:
|
|
|
|
|
- تلطيف الجو ومنع الغبار.
|
- يبهج النفس ويمتعها ويهدئ الأعصاب.
|
وهنا طرفة - مع الاعتذار للأخوات الكريمات - (جلس زوج وزوجته على الشاطئ يستمتعون بزرقة البحر وأمواجه، فرأى الزوج زوجته الكريمة مستغرقة في التفكير والسَرَحَان (بفتح الراء)، فسألها بم تفكر؟ فقالت: أفكر في هذا البحر لَوِّهْ مَرَق وش يكفّيه من القرصان!)
|
|
يحلو للبعض منا أن يأتي في كلامه بكلمات أجنبية ك(كورنيش) الفرنسية بدل شاطئ العربية، وأوتوبيس الفرنسية وباص الإنجليزية بدل حافلة، وكوبري بدل جسر، وكاش، وكاشير، وأوكي، ويو تيرن، وكانسل، إلى آخر القائمة التي شاعت وذاعت وانتشرت انتشار النار في الهشيم (الذي تذروه الرياح).
|
|
وهي التي - كما يعلم معظم القراء - تصل بين عسير وتهامة من أبها وتوجد عقبات كثيرة في سلسلة جبال الحجاز تسهل الاتصال بين أعالي الجبال وبين سهول تهامة، منها عقبة شعار، وعقبة الباحة، وعقبة الأبناء، وعقبة تنومة، وغيرها مما لا تحضرني أسماؤها.
|
|
وقبل أكثر من عشرين عاماً نزل سيل عظيم على هذه العقبة، خرب طرقها، ونقل الجسور الضخمة من أماكنها، وقد استغرق إصلاحها أعواماً عديدة، ونقل الطريق إلى الجبال (سفوحها) بعيداً عن الوادي، وكنت سلكتها قبل سنوات وكان العمل مازال فيها وفي هذه الزيارة وجدتها منتهية، ما عدا تحويلات بسيطة، كذلك ما زال الطريق بين المثلث وجازان يسير الهوينا منذ سنوات وبقيت فيه تحويلات مزعجة استمرأها الناس وتعوّدوا عليها.
|
|
صادفت في هذه الزيارة نضج ثمر المنقا اللذيذ، وهو أنواع (يعرفها حمدان) الجيد منه يسمّونه زبدة بدون ليف، والثاني أقل منه جودة، وأرخص، لوجود الليف فيه، وهو حجمان (جيدة ورديئة) كبير وصغير، والصندوق المتوسط (4 كيلوات) من الجيد بستين ريالاً، ومن الثاني بنصف ذلك.
|
|
وجاء ذكر البحر كثيراً في الشعر الفصيح والعامي حتى الشعراء الجاهليون ذكروه في شعرهم .. ومما قيل فيه:
|
هو البحر من أي النواحي أتيته
|
فلجّته المعروف والجود ساحله
|
|
والبحر ما الله كتب لي فيه عيشة
|
كُتِب رزقي فوق مومية الحبال
|
ودّي أغنّي وينهاني عفيشه
|
وش أبسوي لمن ضاق بالي
|
عفيشه: النوخذه، مومية الحبال: الإبل
|
|
هذه عنوان قصيدة للشاعر عبد المحسن الصالح - رحمه الله - في ديوانه المليء بالقصائد الفكاهية المفيدة الهادفة، وبجودة شعره وفائدته الذي يعالج فيه موضوعات اجتماعية كتب د. عبد العزيز الخويطر مقدمته في 60 صفحة (ستين أو ستون صفحة) تدل على إعجابه بشعره أيما إعجاب، ومن قصائده:
|
|
|
|
|
ومناسبة (الناس أشكال وألوان) أنّ الناس يختلفون في كل شيء (لولا اختلاف الأذواق بارت السلع)، بعضهم يحب البحر (ويموت فيه)، وبعضهم لا يحبه ويخاف منه، وبمناسبة الموت (أعاننا الله عليه وعلى ما بعده) ركب (عروسان) في حنتور (عربة يجرها بغل) وأخذ كل منهما يقول للآخر أحبك، أموت فيك واستمرا على ذلك، وحينئذ أوقف صاحب الحنتور حنتوره وقال أعطوني الأجرة قبل أن تموتوا كلكم.
|
وقالت (زوجة لزوجها) أتمنى أموت في أحضانك، فقال لها موتي عند أهلك لا أريد مشاكل وتعب.
|
|
والبحر - كما تعلمون يا سادة يا كرام - عدو، يبتلع حتى الذين يجيدون السباحة إذا دنت آجالهم ومثله النار والحيات كفانا الله شرور الأعداء.
|
وتوجد طرفة حول البحار: البحر الميت مَن أماته والأحمر مَن جعله كذلك، والأبيض ما شأنه؟، وكذلك المحيطات صنعوا لها طرفة وحكاية، ومنها المحيط الهندي مَن كفيله؟
|
|
والسرعة أنواع .. وما أقصده هو سرعة السيارات .. فهنا يسرع بعض قائدي السيارات سرعة غير منضبطة، وبها تهور، وهذا ليس خاصاَ بالجنوب بل موجود في جميع مناطق المملكة، ومثله التجاوز الخاطئ الذي أسميته مرة التجاوز القاتل في مقال مستقل، ولكن النسبة تختلف .. وفي عقبة ضلع في العودة من البحر شاهدت الكثير من ذلك! ولا استثني أبا عبد الرحمن الذي صرح بأنه لم يسرع كثيراً بسبب وجودي معه، وكنت على أعصابي وممسكها، وهنا تذكّرت اللغز (ما هو الشيء الذي تمسكه ولا تلمسه) والسلام عليكم.
|
|
|