Al Jazirah NewsPaper Monday  03/05/2010 G Issue 13731
الأثنين 19 جمادى الأول 1431   العدد  13731
 
السم الزُعاف

 

أحب زوجي وعلاقتي به جيدة ولكننا عندما نختلف ويخطئ عليّ أذكره بمساعدتي له من راتبي وأحوالي بعد كل لحظة خلاف تسوء جداً ويهجرني أسابيع ولكن دائماً أمن عليه من المبالغ التي أعطيها إياه.

ولك سائلتي الفاضلة الرد:

إن أسعد البشر حظاً هو الذي يحظى في رحلة العمر بعد اليقين والعافية بحياة زوجية موفقة وعابقة بعطر الاحترام والحب والتراحم والفهم والوفاء والرغبة المشتركة في السعادة‏، ومن رصيد السعادة وذكريات الحب والأوقات الجميلة في الحياة يستمد الإنسان بعض قدرته على مواجهة المنعطفات والعواصف‏ ودافع الحب لا يعظمه جمال المظهر بل سمو الروح وعذوبة الخلق.

أغناها حسن الجيد عن لبس الحِلى

وكفاها طيب الخُلق أن تتطيبا

وأفضل مقياس للحب عند أندريه مالرو هو دوامها فلو استمرت مشاعرنا مهما لاقينا كان هذا هو الحب الحقيقي، والبشر يتمايزون أيتها الفاضلة في أوقات المحن ويتفاضلون عندما تنزل بساحتهم الأزمات وتعرف معادنهم عندما يتألمون وتبرز مصالحهم وتقاس قدرتهم على الصبر في حال تعاظم الوجع، وأوقات الأنس والسعة لم ولن تكون معياراً صادقاً على الشخصيات, وتظل لحظات الغضب وأوقات الانفعال وأجواء التوتر مؤثرة لكن لا ينبغي أن تتجاوز الحدود وتتعدى المعقول إلى جرح كرامة الرجل وطعنه في أعز ما يملك!..

إذا لم يكن في الحب سُخط ولا رضا

فأين حلاوات الرسائل والكتب

وهولاء الذين ينظمون القصائد في تذكير الشريك بأفعالهم واستحضار أعطياتهم للأسف، فات عليهم أنهم يئدون جميلهم ويشوّهون معروفهم، وما أروع قول ابن المقفع - رحمه الله - عندما قال إذا أردت أن تحيي المعروف فأمته بعدم ذكره. وأحسب أن اعتذارك من البداية عن تقديم أي مساعدة لزوجك أخف وقعاً عليه من منِّك عليه!!

لا خلاف أن الرجل هو من يتحمل النفقة، لكن مع تسارع إيقاع الحياة وتزايد الحاجات الكمالية وارتقائها لمرتبة الضروريات أصبح الكثير من الأزواج يواجه ضغوطاً مادية رهيبة أثّر كثيراً على النفسيات ومعه لم يعد الكثير يستمتع بحياته، فما المانع في تعاون الزوجين وأقول لمن يجمع الزوجين؟ أليس الدافع الحقيقي لمكابدة تعب العمل ومجاهدة ضغوطاته حتى تنعم الأسرة بحياة طيبة كريمة ؟ فلماذا لا يجدف الزوجان سوياً في محيط الحياة ويتعاونا معاً في سبيل إسعاد الأسرة دون منٍّ أو أذى! واحتسبي ما تنفقيه هو من باب تعويض أسرتك عما يلحقهم من أذى جراء ابتعادك عن المنزل أوقاتاً كثيرة وأنت وأولادك المستفيدين منه.

للأسف في لحظة غضب قد يتهوّر أحد الزوجين ويهدم جميله بكلمة كالسم الزعاف يمنّ فيها على الشريك ويذكّره بأياديه عليه وأفضاله، ومعها يتلاشى كل معنى جميل وتذوي ورود الحب في حياتهما. أيتها الفاضلة .. إذا كان ما قدمت وتقدمينه من مساعدة لزوجك عطاء لله وأحسبه كذلك، فاحذري أن تجعليه هباء!! {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ...} وعند مسلم من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: ثلاث ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم وذكر منهم المنان، ولاحظي أيتها الفاضلة أن الله جمع أربعاً من أشد وأعظم العقوبات على المنان.

أيتها الفاضلة العقلاء لايكابرون ولا يسيرون في درب قد علموا خطأ وجهته، وإن أردنا أن نحيا مع من حولنا حياة كريمة فينبغي أن نعتمر قبعة الاعتذار عندما نجرحهم، فبقدر هجومنا عليهم وبقدر أخطائنا في حقهم فلا بد أن نكفر عنها، وبقدر ما جرحنا مشاعرهم وخدشنا كرامتهم وإيلامنا لهم يكون واجبنا في الاعتذار لهم والتودّد والاقتراب إليهم والصبر عليهم إلى أن تشتفي نفوسهم من جرحنا لها.

لذا فلا أرى مانعاً من بذل الجهد في استرضائه وتضميد جراحه وأن تبدئي معه صفحة جديدة عامرة بالاحترام والتقدير خالية من المرارة والأحزان‏.‏

وأهمس في آذان الإخوة الأزواج بأن يكونوا من حافظي الجميل وشاكري المعروف، فمركب الحياة إنما بني على السماحة والحب وليس على المشاحة والمنِّ والضرر بالطرف الآخر وليكن شعاركما قول الشاعر:

يزيد تفضلا وأزيد شكرا

وذلك دأبه أبدا ودأبي

ونصيحتي لأي زوج تقسو عليه زوجته وتجرحه بالمنّ أن يوضح لها في أجواء هادئة كم يزعجه هذا الأمر ويهدد حياتهما الزوجية، وإن لم ترعوِ فليقرر الاستغناء عن مالها حتى ولو ضاق عليه الأمر وصعبت الأحوال، فلا بارك الله بعد الكرامة بالمال، فكرامتك أخي الزوج فوق المال وحاول إعادة تنظيم أمورك بحسب راتبك فلا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

شعاع:

لا تبصق في البئر فقد تشرب منه يوماً ما.






 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد