أنا امرأة ابلغ من العمر 47 سنة متزوجة من 25 سنة ولي ابنا وأربعة بنات أعيش مع زوجي حياة ساكنة يحدث فيها ما يكون بين الأزواج من اختلاف وهجر وأحيانا رفع صوت، وقد تحسنت أحواله المادية مؤخرا كثيرا وفي احد الأيام فاجأني بقرار الزواج من أخرى وقد صدمني الأمر وأحسست بجرح في قلبي ولم يثنه توسلي ودموعي والمشكلة لا تتوقف عند هذا الأمر بل في ابتعاده الكلي عنا بعد الزواج وبناته في عمر يحتجنه قريبا منهن وحتى أمور النفقة قد قصر فيها، وهو أحد متابعيك فهل من كلمة له؟
ولك سائلتي الفاضلة الرد:
إن غوائل الأيام وعاديات الليالي لم توفر أحدا في هذا الحياة ولستِ بدعا من البشر عندما تطرق بابك المصائب
على عاداتها جرت الليالي
فلا بؤس يدوم ولا رخاء
فما حصل من تحولات في حياتك لاشك هو من باب الابتلاء والتمحيص وكل يرى مصيبته اشد وأعظم المصائب كما تحدث بهذا أحد الفلاسفة عندما قال: إن من يشتكي وجع الضرس يرى أن السعداء في الحياة هم الناجون من أوجاع الأضراس! وأعلم أن زواجه قد زودك من الحزن عبئا ثقيلا ولكن لا أقول إلا صبرٌ جميلٌ.
وأقول لأصحاب العقول الغافلة والضمائر الباردة والقلوب الميتة ممن يبنون أسوارا بينهم وبين أسرهم بعد زواجهم الثاني ليس من طريق أمامكم تسلكوه سوى الانتباه إلى حجم المسؤولية وثقل الأمانة التي حملتم إياها من رب العالمين ولا يغرنكم قلة حيلة الزوجة وعدم قدرتها فمن يظلم ويقهر سيأتي عليه يوم ويقتص منه ويندم, أيها الزوج نحن لا ننكر عليك حقك في موضوع الزواج ولسنا ندرك حاجتك ودوافعك ولا نجرؤ أن نصادر حقا قد كفلها العزيز لك ولكن العتب كل العتب على مجارة الهوى والانسياق خلفه فليست والله بأخلاق الرجال ولا طباع أهل المروءة والفضل التنكر لمن رافقهم في رحلة الأيام وصاحبهم في محطات الضيق عندما تتحسن الأحوال.
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا
من كان يألفهم في المسكن الخشن
فالرجال الكرام أصحاب عهد ووفاء وأصحاب حمية وحرمة, والفضلاء من البشر هم أصحاب الخلق الرفيع والذي عرف عرفه أمير القلم المنفلوطي بأنه شعور المرء انه مسئول أمام ضميره عما يجب أن يفعل! واحسب أن من أضعف الرجال عقلا وأقساهم قلبا هم أولئك الذين إذا ما ظفروا بحاجتهم لم تجد منهم ودا ولا إحسانا ولا أداءً لحق ولا غفرانا لزلة، والظلم كل الظلم للنفس ومن موجبات العقوبة العاجلة أن نتسلط ونقهر من لا يستطيع الدفاع عن نفسه ضعفا وقلة حيلة وهذا والله عار لا يطهرك الليل والنهار, فالكريم لا يترك إلفا ولا يقطع رحما ولا يضيع حفاظا وما أقسى العيش عندما أن نقلب ظهر المجن على من سبق وارتشفنا معهم كؤوس السعادة وما أتفه الحياة عندما لا نتورع عن مكافأة من نهلنا بصحبتهم رحيق الأنس بالتنكر والتغافل عن تاريخهم معنا عندما تتغير الأمور، فلا تركن إلى قوتك ولا إلى جبروتك فلربما يأتي وتصبح حاجتك إلى زوجتك الأولى وبناتك أكثر من حاجتهم إليك الآن ولن تجد شيئا ابلغ في عقوبتك حينها من تجاهلك, ومن نافلة القول التذكير بجرم عدم العدل بين الزوجات فهو من كبائر الذنوب، ولهذا توعد عليه في الآخرة بسقوط شقه. والجزاء من جنس العمل؛ فلما مال في الدنيا عن العدل جاء بهذه الصفة يوم القيامة على رؤوس الأشهاد!!
فلعلك تتدارك الأمر قبل أن تضيع الفرصة وتُسلب منك الإرادة بإعادة التوازن إلى حياتك, وإلا فسيحترق قلبك في يوم ما بحرقة قلب زوجتك بعدما أشعلت شرارته من موقد إهمالك وظلمك وستدمع عيناك بعدما أبكيت اقرب الناس إليك بذرات من ملح قسوتك وجبروتك! وتذكر أن أعظم ما تهدي أبنائك إن كان لهم في قلبك مكانا هو أن تنصف والدتهم وتحفظ عهدها،وهناك طرف ثان في المعادلة لا يسعني تغييبه ألا وهو الزوجة الثانية وأذكرها بأن بعض الديون سريعة القضاء وأولها دين الظلم وان الخيرون هم من يظفر بالرضا والسعادة فما أروع أن تتسامي وتعملي على نصح زوجك ولفت انتباهه إلى العناية بأسرته والاحتماء من نكبات الزمن بهذا العمل الخيّر وأدرك أن هذا أمر عظيم وتتقاصر عنده الهمم وليس بالهين ولكن الجوائز العظيمة تحتاج إلى جهد كبير!
وأما ما يخصك أختي الكريمة فاعلمي أيتها العاقلة أن الحكماء هم الذين يعلمون على إطفاء لهيب الحقد ونزع فتيل الكراهية في محيطهم، وهي خصلة تجعلهم من ذوي العقول الكبيرة كما قال ابن المقفع:من كان ذا عقل كان على إماتة الأحقاد احرص منه على تربيته.
وقديما قال نهرو: النفوس الكبيرة وحدها تعرف كيف تسامح! واربأ بك أن تسمحي بمشاعر الحقد والمرارة أن تسكن في وجدانك فتفسد عليك وعلى أبنائك الحياة ومتعها وارى توسيط أهل الفضل والخير وممن لهم مكانة وحظوة في قلب زوجك ووعظه بمراجعة حساباته فان عاد فالحمد لله وإلا لم يفعل فلله الأمر من قبل ومن بعد والحمد له على أن اختار لك تلك الأزمة وأنت في هذا العمر من النضج والحكمة وقوة التحمل فضعي جهدك في ذريتك واستمتعي بوجودهم وحاولي ما أمكنك الخروج من الأزمة بأقل قدر من الخسائر وألا تضاعفي خسائرك الشخصية بالاستسلام ورفع الراية البيضاء واليأس فيتعاظم همك وتقل قدرتك على التحمل والمواجهة يقول الأديب أحمد أمين:فرق بين من يُلطم اللطمة فلا يكون له وسيلة إلا البكاء وتذكر اللطمة ثم البكاء وبين من يُلطم فيستجمع قواه للمكافحة! واعتبري زوجك قد رحل من هذه الدنيا وسيأتي يوم وتتذوقين طعم السعادة والهناء وستدركين حينها أن الله مع الصابرين.
شعاع:
الاعتدال خيط حريري يربط كل لآلئ الفضيلة