Al Jazirah NewsPaper Sunday  16/05/2010 G Issue 13744
الأحد 02 جمادىالآخرة 1431   العدد  13744
 
«السعدني».. آخر الساخرين العظام..!!
د. عبد الله مناع

 

عندما التقيت بالكاتب الصحفي الساخر، والفنان الأستاذ (محمود السعدني) لأول مرة في جدة، في أوائل الثمانينات الميلادية.. كانت «صورته» التي رأيته عليها، لا تختلف في كثير أو قليل عن صورته المرتسمة في ذاكرتي عبر قراءاتي له..

ثم عبر تلك الصورة الدرامية الرائعة في سخرياتها، والحادة في ذكائها.. التي قدمها مسلسل «الواد الشقي» الإذاعي في «صوت العرب» أو إذاعة القاهرة عن قصة حياته في الصحافة والسياسة والأدب والفن والتسكع والتصعلك.. «بداية»، ثم الانغماس في رحابهم وبحارهم.. في «النهاية»، بروح المبدع وشفافية الفنان وذكاء ابن البلد اللوذعي، في أواخر ستينات القرن الماضي أو أوائل سبعيناته.. والتي كان من كمالها وجمالها تلك «المقدمة الغنائية» المصاحبة لحلقاتها الستين - أو أكثر -، والتي كتبها فنان العامية المصرية الثالث - بعد بيرم التونسي وفؤاد حداد -: صلاح جاهين.. ولحنها ابن حارات مصر ومحاسيبها وحسينها: الفنان «سيد مكاوي».. والتي تقول:

«كان في واد شقي.. شقي شقي

وزمان قالوا إيه.. عمر الشقي بقي.. بقي

يا شمس شقشقي.. يا طيور زقزقي.. الواد الشقي: شقي شقي»

.. فقد كان ما يزال.. هو هو (الواد الشقي).. حيوية، وحرارة، وسخرية، وخفة ظل لا حدود لها.. رغم أنه كان آنذاك قد ناف عن الخمسين عاماً وقارب الستين، لكن يبدو أن عودته إلى مصر (1982م).. وإلى «جيزته»، وقهوة (محمد عبدالله) وعالمها الصباحي المثير مع تجار القطن وأثرياء الريف.. إلى عالمها المسائي الباذخ مع كبار الموظفين والأدباء والصحفيين والفنانين وأنصافهم وأرباعهم، هي التي أعادت له تلك الحيوية المفعمة التي رأيته عليها.. بل وأنسته سنوات اغترابه العشر ما بين دول الخليج والعراق وبريطانيا.. بسبب غضبة الرئيس السادات عليه، أو اختلافه معه حول مواقفه التي تبدلت مائة وثمانين درجة مع الخامس عشر من مايو عام 1971م، أو بسبب تعليقه التهكمي.. عندما سأله أحد أصدقائه - على الهاتف -: ما الفرق بين الرئيسين: عبدالناصر والسادات..؟ فقال له الأستاذ السعدني: «الأول موتنا من الخوف، والثاني حيموتنا من الضحك»..!! فلم ينسها له الرئيس السادات.. فكان أن فصله من عمله ك «سكرتير تحرير مجلة روز اليوسف» ورئيس تحرير لمجلة صباح الخير.. فاختار السفر إلى دولة الإمارات التي رحبت به كاتباً وفيلسوف حياة وصحفياً من الطراز الأول فأنشأ بها صحيفة «الفجر».. لكن أجهزة الرئيس السادات أخذت تلاحقه.. حتى غادرها إلى «الكويت», حيث رحب به رئيس تحرير صحيفة «السياسة» الأستاذ أحمد الجار الله كاتباً ومشرفاً على القسم الثقافي بها.. ولكنه غادرها إلى بغداد مضطراً.. ومنها بعد قرابة عامين إلى «لندن» من أجل علاج ابنته (هالة) التي أصابها شلل أطفال بعد شهور من سجنه الأول والأخير الذي امتد به لخمس سنوات، ليقول هناك، وقد هاله أن رأى عشرات العشرات من الصحفيين والكتاب الأدباء والشعراء المهاجرين إليها من مصر وغيرها.. وبأسلوبه الساخر: «لابد أن أشير هنا.. إلى أن لندن هي إحدى دول الجامعة العربية»..؟!

لقد كان سجنه واغترابه الطويلان هما أعظم معاهده وأكاديمياته.. اللذان تلقى فيهما أعظم الدروس.. وأطل منهما على حكمة الزمن ولعبته.. ورأى فيهما العظماء والصعاليك، والشرفاء والنصابين، والعلماء والجهلة، والصادقين والمزيفين، والفنانين والأدعياء، والمنظرين الحقيقيين الذين يحسنون قراءة الأحداث واستكشاف ما وراءها مما ستأتي به الأيام.. إلى جانب من أسماهم ب «الحنجوريين» - ومفردها «حنجوري».. نسبة إلى «الحُنجرة» فيما أظن - الذين تسمع جعجعتهم وفلسفاتهم الفارغة ثم لا تجد في رأسك بعدها غير «الصداع»، لتصنع تلك التجربة الطويلة والعميقة والمليئة بصنوف القلق.. إلى جانب سابقتها في حياة مصر وبين قممها وسفوحها وفي قلب أحشائها ودروبها.. هذا الكاتب الفنان. هذا الساخر الساحر والعظيم.. الذي تفوَّق ربما على كل أولئك الظرفاء الأربعة عشر الذين أحبهم وعشقهم وكتب عنهم أحد أجمل كتبه: «الظرفاء».. من «البشري» إلى «النديم» إلى «الحافظ» إلى «المازني» إلى «العبد» إلى.. إلى.. إلى آخرهم كامل الشناوي الذي كتب مقدمته.. ليقول عنها في ختامها إنها «مجرد مساهمة، بكلمة صغيرة.. في كتاب غير صغير»..!!

وإذا كانت طبيعة هذا المقال لا تسمح بالتوقف عند كل «سخريات السعدني».. وما أكثرها وأجملها وأعظمها، فإنني لا بد أن أتوقف عند البعض منها فيما يتصل بسنوات السجن والاغتراب، ففي ثاني أو ثالث أيام سجنه، فوجئ بوجود الكاتب الكبير وأستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة الدكتور لويس عوض.. في معيته بأحد زنازين معتقل «القلعة»، وهو يرتدي «روب دي شامبر» أحمر اللون، وينتعل «شبشباً» سويسرياً من (بالي)، ويضع سيجارته في ركن فمه.. فأقبل عليه متلهفاً ومسلماً، فرد عليه الدكتور بإنجليزيته التي اعتادها: هاللو..!

ليسأله الأستاذ السعدني عن رأيه في هذه المحنة التي عصفت بهما وبغيرهما من مثقفي مصر.. المتهمين بالشيوعية بالصواب وبالخطأ..؟

فرد عليه الدكتور عوض مطمئناً: «ما تخفش.. لازم نخرج بكرة أو بعده»..

- يعني.. أنت متأكد من خروجنا..؟

فقال الدكتور في ثقة تامة: «طبعاً.. هابيوس كوربوس».

فقال الأستاذ «السعدني»: «يا فرج الله.. لا بد أن له قريباً في المباحث العامة اسمه هابيوس كوربوس، ولا بد أن الرجل طمأنه وأكد له موعد الإفراج»..!! ليكتشف الأستاذ السعدني فيما بعد وكما ذكر في كتابه الفريد حقاً بين كتب عصره: «الطريق.. إلى زمش» (وهو اسم مختصر ل «حزب شيوعي» لا وجود له، ألفه الأستاذ السعدني من سخرياته لمن لا انتماء شيوعيا لهم بين أولئك المعتقلين.. تعني مفرداته - زي ما أنت شايف -!!) - بأن «هابيوس كوربوس» هذا.. ليس قريباً للدكتور عوض، ولا يعمل لا في المباحث ولا في غيرها.. بل وليس إنساناً من أصله، ولكنه «قانون» روماني قديم يعرفه أساتذة القانون وأساطينه وربما يمتحن فيه طلبة الدراسات العليا أو «ليسانس» الحقوق في آخر سنوات دراستهم، وهو يعني: أن على «البوليس» أن يقدم «المتهم» أو المعتقل» إما للنيابة أو للمحكمة.. خلال ثلاثة أيام أو أن يقدم «جثته» إذا تعرض لمكروه، ولم يُقدم لا «السعدني» ولا الدكتور عوض.. لأي من تلك الجهات لا بعد ثلاث أو ثلاثين يوماً بل بقيا في معتقلهما.. الذي تغير من «القلعة» إلى «الفيوم» إلى «الواحات»، ولم يغادراه إلا بعد خمس سنوات تقريباً!!

ليقول فيما بعد عن آخر وأسوأ سجونه: «خرجت من سجن الواحات.. سعدني آخر»..!

وقد صادف مع ارتحاله - في سنوات اغترابه - من «أبو ظبي» إلى «الكويت».. قدوم سيدة الغناء العربي أم كلثوم لإحياء حفل بها، ولكن فجأة توعكت صحتها وأُدخلت إلى المستشفى وسط أجواء من التكتم والتعتيم على أخبارها.. حتى لا يضطرب جمهورها الذي كان فعلاً من المحيط إلى الخليج، ليسأله أحد الإخوة الكويتيين القلقين على صحة أم كلثوم: هيَّ أم كلثوم عندها إيه..؟

فرد عليه وقد حبكت معه النكتة:

عندها سبعين سنة..!

من رصيد تجربته المصرية الوطنية، والعربية القومية الهائلة.. وبقلمه البسيط والعميق: الساحر والفنان، والمترع بالشجن والبسمة.. الذي يجعل قارئه يركض خلف كلماته وكأن كاتبها ألقى بها من فوق جناح طائرة، ليلمها ويحتضنها شغفاً ومتعة، وليتأملها فهماً ودراية.. ليغرق في النهاية في شبع رحيقها الفريد، كتب الأستاذ السعدني «القصة القصيرة» والمسرحية والرواية والدراسة الأدبية والسياسية.. وكتب شهادته على العصر في رباعيته الخالدة (الواد الشقي) التي تعتبر بحق تحفة أعماله، إلى جانب تلك الصحف والمجلات التي أصدرها في كل أرض هبط بها.. وأقام فيها، والتي كان آخرها من لندن: مجلة (23 يوليو).. التي أقفلت أبوابها مع رحيل الرئيس السادات، وعودة صاحبها إلى مصر.. وإلى «الجيزة» ثانية.

وإذا كان الأستاذ السعدني قد حمد الله - كما حمدته - لأنه لم ينسَق في كتابة «القصة القصيرة» وقد صدرت له مع ذلك أربع مجموعات منها.. بعد أن اعتذر الأستاذ توفيق الحكيم عن كتابة مقدمة مجموعته الثانية (جنة رضوان) عندما اكتشف مشاحنات الكتاب الشباب - من زملاء السعدني - حول من يفوز بمقدمة أديب مصر الفنان (توفيق الحكيم).. إذ لو أنه فعل ذلك لحرمنا من روائع قلمه وحضوره الباهر في «الظرفاء» و»الطريق إلى زمش» و»حمار من الشرق»، الذي كان وكأنه المعادل الساخر والضاحك والمشبع ب «الإيحاءات».. لرائعة «الحكيم» في النصف الأول من القرن العشرين «عصفور من الشرق»، والذي عندما أهداني إياه.. لم ينس أن يلفت انتباهي بعد أن اكتشفت - البنت الفرنساوية الغندورة الكركورة.. أنه من العصر الحميري - في إهدائه ب «إن مكان العصر الحميري.. بالإقامة وليس بالجنسية»..!!

عندما عاد الأستاذ السعدني لزيارة المملكة ثانية بدعوة من الأمير فيصل بن فهد.. بادئاً ب «الرياض» ومجتمعها الثقافي والأدبي والصحفي.. ف «الدمام» ومجتمعها وأدبائها.. فمتوقفاً في «جدة»، كنت من بين عشرات العشرات الذين احتفوا به واحتضنوه حباً وتقديراً، وناقشوه و»ناغشوه».. ليستمعوا إلى تجاربه في أرض الله، ويستمتعوا بحكاياته في بلاد الله، التي كان من بينها حكاية مأمور معتقل «الفيوم».. الذي كان في الأصل عسكريا خدم الإنجليز - بإخلاص - قبل الجلاء، فرقوه إلى رتبة (صول)، ومنها تتابعت ترقياته إلى أن أصبح برتبة (رائد) فمأموراً لذلك المعتقل.. إلا أنه ظل على جهله الأول، فكان يمر على العنابر.. ويسأل المعتقلين عن أسمائهم ومهنهم دون ما داع، فتوقف ذات مرة عند رسام الكاريكاتير المعروف زهدي.. وسأله: ما اسمك..؟

- زهدي.

- ما مهنتك..؟

- رسام كاريكاتير.

- يعني.. شاعر (!!)

فقال الأستاذ زهدي مصححاً: لا.. رسام كاريكاتير.

فشوح «المأمور» بيديه، وقال له في حدة: شاعر.. يا جاهل (!!)

أو عندما رأى الأستاذ أديب «ديمتري».. أحد خبراء التربية والتعليم المعدودين في مصر.. فهاله قصره الشديد، ليقول له: ما رأيك يا أستاذ لو أننا غيرنا اسمك ل «ديميللي»..!! ولم يغضب الأستاذ ديمتري.. بل انفجر ضاحكاً، فما كان أحد يغضب من الأستاذ السعدني.. حتى خصومه وأشد أعدائه.. وقد كانت تلك إحدى خصائص الأستاذ السعدني وبراعاته، التي يتميز بها عن كثير من الظرفاء.

عندما عاد إلى القاهرة.. وقد كان على عهده في كتابة عموده اليومي بصحيفة السياسة الكويتية (.. ليس إلا).. تأكيداً لمحبته وعرفانه للأستاذ أحمد الجار الله رئيس تحريرها، كتب مقالاً.. عن تلك الزيارة (العدد 6237 في 17-12-1985م) فكان أجمل ما فيه توصيفه لنفسه.. عندما قال (والعبد لله واحد من زعماء الكلام، ومعترف بي دولياً.. ولي مقعد في الأمم المتحدة باعتبارها مكلمة العالم وأكبر مصنع لإنتاج الكلام)، وكان أكدب ما فيه «اعترافه» بأنني هزمته ب (السكتة القاضية)..!

فمن يستطيع ذلك..؟ أو من يجرؤ على الادعاء به أمام أستاذ الكلام؟ وفيلسوف الكلام.. وفنان الكلام، وصاحب أمتع وأشهى كلام إن قرأته.. أو استمعت إليه، ولعل مشاهدي قناة المحور.. الذين تابعوا حلقات قصة حياته، وهو يلقيها. يرويها. يمثلها. يشدو بها.. خير شهود لي في قضيتي معه.!!

عندما مرض مرضته الكبرى.. كنت من بين عشرات العشرات من أصدقائه من مصر ومن كل أنحاء العالم العربي الذين شرفوا بزيارته في (النادي النهري) التابع لنقابة الصحفيين ب «الجيزة»، الذي كان يتولى الإشراف عليه. فسعدت وشقيت.. ثم قمت أقبل رأسه وخديه..

وفي إجازة العام الماضي.. وقد كنت أتابع أخباره الصحية عن طريق صديقنا المشترك وابن «الروزا» الأستاذ عبادة الزهيري، توقفت كالعادة في القاهرة لأسأل عنه وأتقصى أخباره.. فلم أجد الجواب الذي أرجوه، ولكنني وجدت في «مكتبة مدبولي».. الطبعة الثانية ربما من كتابه الأخير (وداعاً للطواجن)، وهو يثني فيه على «طواجن» العم سرور أبو هاشم.. ويقول عنها متحسراً: (وآه من طاجن العم سرور.. تأكله أحياناً فتنام، وتأكله أحياناً فتموت)!!

إنني.. لا أؤبنه بكل هذه الكلمات، فقد كان حياة حافلة نابضة مشتعلة.. لا تهدأ ولا تترمد ولا تموت.

لقد كان آخر الساخرين العظام. فهل مات البشري أو شو أو النديم؟



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد