Al Jazirah NewsPaper Thursday  10/06/2010 G Issue 13769
الخميس 27 جمادىالآخرة 1431   العدد  13769
 

اللغة الأولى في الخليج
د. أحمد محمدن (*)

 

في سنة 2004، فاجأ سوق الكتاب الإنجليزي إصدار بعنوان»Globish» ألفه المهندس الفرنسي (Jean-Paul Nerriere) بعد تقاعده من مؤسسة IBM التي خدم فيها ردحا من الزمن (شغل بها منصب نائب الرئيس). ومازال الكتاب يلقى رواجا في سوق»العمالة الإلكترونية» بوجه خاص. وقد أغضب هذا الكتاب مدرسي اللغة الإنجليزية الغيورين على كتابات ديكنز والمخلصين لويليام شيكسبير.

وأذكر أني سمعت المؤلف في مقابلة إذاعية أيام صدور الكتاب يبين فيها كيف تبلورت فكرة الكتاب وأن أهم ما لاحظ أنه لم يجد قط صعوبة في التفاهم مع المهندسين اليابانيين والهنود وغيرهم»وكنا جميعا نتفاهم بالإنجليزية... حتى إذا جاءنا زميل أمريكي أو بريطاني بدأت الصعوبات!». لاحظ المؤلف أن»أعراب» كامبردج ونبراسكا لا يَفهمون ولا يُفهمون لأنهم لا يتنازلون عن أساليب تركيب الجمل ولا عن النطق.. يريدون لغتهم كما ينطقونها ويكتبونها. أما»أعاجم الأمم» فلا يتحرجون من ليّ أعناق القواعد والكلمات لإيصال مقاصدهم كيفما اتفق.

وقد أحصى هذا المؤلف 1500 كلمة زعم أنها كل ما يحتاجه المرء ليتفاهم مع الناطقين بالإنجليزية ولكنه تفادي عبارة (English) وعدل عنها بكلمة (Globish) لتوحي بالمقصود.

قصة (Globish) هذه تتكرر في طبعة أسوأ وأقل ترتيبا في منطقة الخليج (العربي؟). فرغم أن هذه البلدان هي منبع العربية وموطنها، فلقد غدا»الفتى لعربي فيها غريب الوجه واليد واللسان» كما قال المتنبي. فالزائر لهذه البلاد سيشعر بالغربة وسيجد صعوبة كبيرة في قضاء شؤونه إذا لم يكن ملما بلغة»النفرات» كما يسميها أحد الكتاب المقيمين بأبي ظبي.

ولغة النفرات هذه تكسير سيئ للهجات المحلية أسلوبا وعبارة وتحويرا لا رقيب عليه لكلمات عربية تنتهك حرمتها جهارا نهارا دون أدنى إحساس من أي كان اللهم ما يتألم له أمثال الجاحظ والخليل وسيبويه في قبورهم!و»النفرات» (واحده نفر) هؤلاء هم العمال الوافدون من جنوب آسيا (وخاصة شبه القارة الهندية) والذين استطاعوا أن»يعمروا ويستعمروا» دول الخليج العربي في وقت وجيز. فهم عمال البناء والسائقون وعمال النظافة والبقالات والمطاعم ومحطات الوقود. ولهم حضوركبير في القطاعات المهنية الأخرى كالصحة والتعليم والهندسة والتجارة وغيرها. ومعاذ الله أن تكون هذه الإشارة تحريضا عليهم أو إغراء بهم.. فقد عملوا -بارك الله فيهم- فنالوا منزلتهم واستحقوا مرتبتهم فهنيئا لهم.

ولكن أين هوية البلاد إذا كان العمران( اسمنتا باهتا متراكما) لا ينتمي إلى شيء؟ وكانت المطاعم فائحة ببهارات الهند لا يقوم عليها سوي الهنود؟ والأهم من كل ذلك.. أين هوية البلاد ولغة التخاطب فيها ما يشيع اليوم من رطانة لا أب لها ولا أم؟؟ في المقهى يقول لك النفر:»ساده وإلا هليب؟»»سكر زيادة؟»

وفي التاكسي يبدأ الحديث بالوجهة»أنت إمارة فيه معلوم؟»»أيوا معلوم» ثم تأتي كلمات مكررة من قبيل»سيم سيم وسوا سوا» لا تدري على وجه التحديد ما المقصود بها.والمؤسف حقا أن أبناء هذه البلاد هم من فرط في لغتهم ورضي بكلام النفرات بديلا عنها. تتحدث مع الرجل منهم بلغة عربية أو قريبا منها حتى إذا كلّم نفرا غيّر لغته وسمِعته يقول»أنت سيارة فيه موجود؟» أو يقول حين يريد العتب والتوبيخ»انت نفر ما فيه كويس!»

على نفسها جنت براقش!

فبدلا من أن يتعلم الوافدون اللغة المحلية -كما هي الحال في العالم- يتنازل أصحابنا عن لغتهم ويتعلمون ويتقبلون ما يملي عليهم الوافدون ويقايضونه بلغة الضاد.

وإني سوف أنشد عند بيعي

أضاعوني وأي فتي أضاعوا

(*) أستاذ مساعد (كيمياء) بكلية الطب والعلوم الطبية التطبيقية بجامعة حائل

a.mohameden@googlemail.com

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد