الوطن هو: هذا الكيان الذي تعيش فيه منذ النشأة، والبلد الذي تسكنه، وتنهل من خيراته، وتنتمي إليه، وهو البلد الآمن الذي يوفر لك حياة آمنة مطمئنة بفضل الله ثم بفضل قادته المخلصين، وشعبه الوفي، وكل مواطن بحاجة إلى معرفة ما له وما عليه تجاه وطنه، حتى يضمن العيش فيه بأمن وأمان.
والوطنية هي: العاطفة التي تعبّر عن ولاء الإنسان لبلده وحبه له.
وهذا لا يكون إلا بقيام المواطن بكافة الحقوق الواجبة للوطن في الإسلام.
ونسبة الإنسان إلى الأرض التي وُلد ونشأ فيها نسبة لا خيار فيها، والمسلمون وإن اختلفت بلادهم فهم داخلون تحت دائرة واحدة وهي العقيدة (عقيدة الإسلام) التي تجمعهم، فالانتماء الإسلامي هو الغاية والهدف.
أما حب الوطن فهو غريزة متأصلة في النفوس تجعل الإنسان يحنّ إليه ولو كانت أرضه فقرا موحشة، فهو يدافع عنه وينتصر له ولا يرضى به بديلا. فكيف إذا كان هذا الوطن منبع الرسالة الخالدة، تأوي إليه أفئدة المسلمين من كل مكان، قد أنعم الله عليه بالأمن والأمان والعيش الرغيد. وخصه بالحرمين الشريفين وخدمة ضيوف الرحمن.
والانتماء للوطن حق من حقوقه، وهو دلالة وفاء وصدق تعامل وصلاح طوية، ومن مقتضيات هذا الانتماء: الافتخار به والدفاع عنه والحرص على سلامته، والوقوف مع ولاة أمره، واحترام علمائه.
ومن الضمانات اللازمة لاستمرار الحياة السعيدة في البلاد التحلي بمقومات الانتماء الوطني في ظل تعاليم الإسلام، التي من أهمها:
التمسك بالعقيدة, والمحافظة على الشريعة, والابتعاد على مساوئ الأخلاق, والولاء والطاعة لولاة الأمر - حفظهم الله -.
فمثلاً من ينظر إلى المملكة اليوم وما هي عليه من تقدم علمي وحضاري ونمو مطّرد ويقارن بين ما كانت عليه من قبل يجد الفرق الشاسع، وهذا يدل على حرص الولاة - حفظهم الله - على توفير الأمن والطمأنينة والسعادة للمواطن.
والانتماء الوطني يصدق على كل من سكن البلاد، من مواطنين وغير مواطنين مسلمين وغير مسلمين؛ فغير المسلم في بلاد الإسلام له ما للمسلمين وعليه ما عليهم؛ لأنه مقيم بعهد وأمان فهو معاهد ومستأمن على نفسه وماله وله كافة حقوقه، فكل محكوم هو من الرعية، ووجود راع ورعية دليل على انتظام سير الحياة وفق سياسة منظمة ذات مسؤولية خاصة بعيداً عن الفوضى والاضطراب.
فالمواطنون الصالحون شأنهم التعاون على البر والتقوى والتناصر والتكاتف على مصالحهم الخاصة والعامة، والالتفاف حول أئمتهم وعلمائهم, والبُعد عن التناحر والانقسام.
ومن لوازم المواطنة الصالحة أن يتحلى كل مواطن بخصال الخير كلها، وأهمها أربع خصال:
الأولى: الإخلاص في القول والعمل، وهو عنوان الفضيلة وسر سلامة السريرة، وهو ضروري لعمل الدنيا والدين.
الثانية: الصدق، وهو قرين الإخلاص، وهو صدق في كل حال، وهو من علامة قوة الإيمان، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «سيكون في آخر أمتي أناس دجالون كذابون يحدثونكم بما لا تسمعون أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنوكم». والصدق يورث الثقة والمحبة لدى الآخرين؛ مما يؤكد صدق انتمائه لوطنه؛ لأن الصادق لا يكذب ولا يغدر ولا يخون.
الثالثة: الصبر على كل حال في السراء والضراء، بحيث لا يكون المواطن سريع التأثر والتصرف دون تروٍّ وحكمة. ومن أحب وطنه قَبِل العيش فيه على أية حال؛ فلا يتخلى عنه في حال محنته، ومن أحب شيئاً نافح من أجله, وتحمّل ما قد يصيبه من مشقة، وهذا عنوان صدق محبته وانتمائه له.
الرابعة: الوفاء: ومن لا يكون وفياً لوطنه ومجتمعه فلا خير فيه، ومبايعة الإمام عهد، والعهد واجب الوفاء قال تعالى {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً}. فالانتماء الحقيقي للوطن يعني رد الجميل، فالانتماء الصادق للوطن يجعل المواطن يهب للدفاع عن وطنه ضد أي خطر يهدده ويبذل روحه فداءً له، ودفاعاً عن عزته وكرامته. ومن لازم ذلك: العمل على تحقيق الأمن والاستقرار بتحقيق مقوماته؛ فإنه لا يهنأ عيش بدون أمن، ولا يتحقق انتماء للوطن إلا بتحقيق الأمن فيه، فيكون المواطن رجل أمن يهتم بأمن وطنه وسلامة أرضه وشعبه، ويكون مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وهو أمن متكامل حسياً ومعنوياً، وفي مقدمة ذلك: الأمن الفكري، وهو حماية المجتمع من الانحراف الفكري الذي يقود الوطن إلى صراع لا ينقطع، وعداء لا ينتهي، ومتى تحقق الأمن الفكري استطاع المجتمع أن يحقق الأمن الحسي والأمن الغذائي؛ لأن حماية العقول والأفكار أصعب من حماية الأبدان. فشباب اليوم - خاصة - معرضون لتيارات فكرية معادية إذا لم يسع كل مواطن إلى تحصينهم ووضع التدابير الواقية لحماية عقولهم.
ومتى تحلى المواطن بالأخلاق الفاضلة وسلك سبيل المؤمنين وتجرد عن الهوى كان عنصراً فاعلاً في وطنه، وهو علامة حبه وانتمائه له.
ومن ثمرات هذا الانتماء المبارك تحقيق عدد من الأهداف التي تسعى الدولة - وفقها الله - إلى تحقيقها، ومنها:
- اعتزاز المواطن بوطنه وتأكيد حبه له.
- غرس المواطنة الحقيقة في نفس كل مواطن، وما شرعه الإسلام لها من حقوق.
- التحلي بالأخلاق الفاضلة كالتعاون بين المواطنين على البر والتقوى، والتكافل فيما بينهم، والوفاق والائتلاف ونبذ الخلاف.
- التحذير من المفاهيم الخاطئة، والالتفاف حول العلماء الربانيين الذين يوثق بعلمهم.
- الانتماء الوطني يجعل المواطن يحافظ على سمعة وطنه، ويحميه من الشائعات المغرضة التي تهدف إلى زعزعة أمنه واستقراره..
فالحمد لله على ما أنعم الله به على هذه البلاد من نعمة الأمن والاستقرار بفضل الله ثم بفضل قادتها وولاة أمرها الأوفياء، ثم بتعاون أبناء هذا الوطن المخلصين؛ فكل قد عرف دوره في الحياة وقام بما حمل إياه على الوجه الأكمل.
ونسأل الله المزيد لولاة أمرنا من التوفيق والسداد، وللمواطنين المزيد من الولاء والطاعة بالمعروف؛ فكلما توطدت العلاقة بين الحاكم والمحكوم فهذا دليل على وحدة البلاد، وما تنعم به بلادنا - والحمد لله - من ترابط وتماسك يعود بالأثر الإيجابي على مواطنيها ومتطلبات حياتها.
وأوصي إخواني المواطنين وغيرهم من المقيمين في هذه البلاد بالالتفاف حول أئمتهم وعلمائهم والقيام بحقوقهم وواجباتهم، وأن يكونوا يداً واحدة مع قادتهم وخير عون لولاة أمرهم من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل. حفظ الله بلادنا وقادتنا من كل سوء ومكروه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
* الأستاذ المشارك في المعهد العالي للقضاء