قال أبو عبد الرحمن: العلم لا خلاف فيه؛ لأنه نتائج حتمية بالتجرِبة وَفْق شروطها، وجِماعُها أمران: أولهما اكتشاف بعض سنن الله الكونية في المخلوقات، والتوسُّل بها إلى الاستشراف، واستنباط مُكوِّنات الصنع والاختراع من عناصر كيميائية بلغت عشرين ومئة عنصرٍ، وكان الحكماء القدماء لا يعرفون إلا (الأسطقسات): الماء، والنار، والهواء، والتراب.. وثانيهما: الاختراع والصنع من قوانين الكون التي أذن الله باكتشافها، ومن عناصر الكيمياء المستنبطَة.. والعلم لا يعرف إلا الموجود من المقتضي الباعِث، وفقدان المانع؛ فالمطر يُنبت الأرض بإذن الله، وتخرج نباتات المواسم في فصول العام..
والسحب الطويلة العريضة السوداء الدانية من الأرض مع خُلوِّ رياح تصرفها هي التي تصب الماء صبَّاً، وهي محقِّقةٌ في العلم الحديث؛ لأجل هذه الصفات (من وجود مُقتضِيات وتخلٌّف موانع) غرقاً عارماً وفيضانات؛ لأن استقراء الموجودات أفلس من وجود مانع، فنبوءاتهم بما سيحدث قطعية علمية عند العلماء.. ولكنهم يُفاجأون بحدوث موانع، وحدوث اقتضاءات أخرى تنفي ما كان عندهم علماً يقينياً؛ لأنه شيءحدث مُفاجأةً، ولم يجدوه استقراء فيما هو موجود، فتصب السحاب قليلاً، ثم تتقطع متوزعة في الآفاق، وقد تمطر في أماكن أخرى، ويجري بعضها بسرعة وهو خال أفرغ ماءه يسميه العرب جهاماً، وَعُرْف العامة أدقَّ، وهو (النفيض)؛ لأنه نفض ماءه؛ فانقلب يقين العلم إلى عدم علم؛ لحدوث المفاجئ من قدرة الله سبحانه، وهذا برهان كافٍ لقمع التجريبيين الذين حصروا العلم في المشاهَدة والخبرة التجريبية؛ لأن المعاكِس من المقتضيات والموانع غيب مفاجئ سابق لعلم البشر، ولا يملكون العلم به قبلاً مهما كان عندهم من مذخور التجرِبة.. وقد يحجب الله المقتضي المعاكِس، والمانع المعاكِس، فيكون غرقٌ وأعاصير ودمار؛ فيكون العلم البشري ههنا يقينياً بتدبير الله، وكل شيءعند ربنا بمقدار، وبعد زوال أخطار السحاب الداكنة قد يعلمون السبب الغيبي بعد مفاجأته كحدوث رياح مفاجئة تُقطِّعها وتسوقها، وقد لا يعلمون السبب بعد تصريف الله للسحاب؛ وإنما يعلم المؤمنون أن الله سبحانه هو المدبِّر، والمفاجئ الذي كان قبل ذلك غيباً، ثم عُلِم، أو لم يعلم وعُلِمت نتائجه بتمزَّق السحاب: منتج لبرهان الانتقال من المشاهَد - بصيغة اسم المفعول - إلى المُغَيَّب، فلا يُحيل العقل إمكان تغيُّر مجرى العادة بقدرة قدير مهيمن كتحوُّلِ طبيعة النار التي اُعِدَّت لإبراهيم عليه السلام إلى برد وسلام؛ وإنما يؤمن العقل بتعيُّن الممكن بعد صحة الخبر من معصوم خبره، وبراهين عصمة الخبر قائمة أيضاً من البراهين المشاهَدة، أو من آثار الهالكين وهي بسبيل مقيم.. ثم إن العلم الحديث بكل صريخه لا يحجب القضاء؛ وإنما يستخرج الأموات من الأنقاض حال الهدوء، ويشغِّل صَفَّارات الإنذار؛ ليهرب الناس بعيداً في مخيمات أُعدَّت لهم؛ فمَن مَنَح العلم التجريبي المحقَّق بالتجربة بشرطها بلا توقُّع معاكس من المُقتضِيات والموانِع الغيبية لم يقدر الله حق قدره، لأن المفاجآت من الله سبحانه غيب ليس من علم البشر، كما أنه حَمَّلَ العقلَ المخلوق ما لا يحتمله.. وهكذا من منح العلم الحديث القدرة على التخلص من الأخطار، فالعلم عاجز عن ردِّ الحياة إلى الفرد؛ وهذا معنى أن العلم الحديث ظاهر من الحياة الدنيا.. وهناك العلم بالشيء من وجه أو أوجه أو من كل وجه، والأخير متعذِّر؛ لأنه خلاف (ظاهر من الحياة الدنيا).. وهناك العلم بالوجود والعلم بالكيفية، وهذا لا يحصل للعلم الحديث إلا بالتجربة فيما عرفوه بالحس المركَّب؛ لأنه لا تلازم بين العلم بوجود الشيئ بآثاره، أو صفاته بالتواتر والخبر المعصوم وبين العلم بِكَمِّه وكيفيته؛ لغياب العلم بالكيفيَّة والكَمِّ (المقدار والتحديد)؛ لأن ذلك قد يكون مُغَيَّباً؛ وإنما المعروف عنه آثاره بالمشاهَدة أو ما يحصل بالمقارَبة من وصفه بخبر معصوم أو تواتر.. وأما الخرافة فلا تكون ببراهين الآفاق والأنفس عن الامتناع والإحالة؛ فكان الإيمان بالخرافة تعطيلاً لنتائج التجربة التي وقعت قطعياً بشرطها مع احتمال المفجآت من الله سبحانه، وتعطيلاً لضرورات العقل التي رتَّبها ربنا على سنة لن تجد لها تبديلاً إلا من عنده، والإيمان بالخرافة هو البديل الخائب للإيمان بالحقيقة، والجحد للحقيقة إحالة لما عُلم وجوده، وقَطْعٌ احتمال التعيين لما عُلم إمكانه ولا وجود ثَمَّ لمقتضٍ ولا مانع.. وصاحِب الخرافة مُدَّعٍ لما ليس في الواقع، وهذا قول بلا علم، وإنكار الحقيقة إسقاط للبراهين؛ وذلك هو العناد لا الجهل مجرَّداً؛ وذلك تضليل؛ ولهذا فالإلحاد لعدم علم بالموجود معاينة؛ وإنما بالخبر المعصوم بالوصف، ومشاهدة الآثار وبراهين الآفاق والأنفس، ويكون تضليلاً بجحد ذلك مع العلم به؛ وذلك هو العناد تكبُّراً، والتضليل لغاية شِرِّيرة.. والمغيَّب المخبر عنه بخبر معصوم عُلم بالوصف بمفهوم لغوي، وقصور عن ماهية الموصوف؛ فليس خمر الآخرة المبهِج كخمر الدنيا المذهب للقوى والمواهب المتلف للصحة؛ فالعلم بالمغيَّب علم بالوجود، وعلم بالصفات وفق التقريب من اللغة، وجهل بالماهية والكيفية.. والغيب في حق الله سبحانه على التحميد المطلق لكماله الذي لا يقبل إضافة في أحكام العقل، وعلى التقديس المطلق عن كل نقص؛ وذلك علم مُحَقَق لا يحصره ويتصوره عقل مخلوق ولا هواجس ظنون.. إن واقع تحليلنا لمعرفتنا البشرية يُنتج أشياء عرفنا وجودها قبل أن نعرف كيفيتها، وثمة أشياء يُقِرُّ العلم الحديث بمعرفة وجودها ولا يزال يجهل كيفيتها.. وما يعلمه الإنسان بحسه بين مدٍّ وجزر خلال مرحلة العمر منذ رحمة المهد إلى وحشة اللحد؛ فهو يعلم في سن اليفاع مالا يعلمه في سن الطفولة، ويعلم بالتعلم مالا يعلمه في عهد الأمية، ويعلم كثيراً ويموت وهو لا يعلم أشياء أكثر؛ وإذن فالوجود ليس محصوراً في الحِسِّ البشري، وإنما في وسع الحِسِّ البشري بعض الموجودات.. والحِسِّ فيما شاهده عِلْم بأن الموجودات مختلفة بشهادة العقل بملكاته، وربما عزَّ العلمُ بأحد الموجودات بنموذج محسوس؛ وإذن فما غُيِّبتْ كيفيته عن الحِسِّ البشري ليس من الشرط أن يكون له في الموجود المحسوس ما يقارب صفته؛ ولهذا سهل على المؤمن أن يتصور في الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقوى المعرفة الثلاث هي زمام الإنسان - هذا العبد الضعيف المتلعثم علمه - التي تجعله في شدٍّ وجذب بين ثلاثة من الصناديد العتاة داخل الذات، وهي: الوعي، والفكر، والعواطف.. فإذا رأيت صوفياً مرسلاً لحيته، مسبلاً شواربه، ينثر الكحل في محاجره كيفما اتفق حتى ينثال على وجنتيه: فاعلم أنه يدَّعي حالة الوعي!!.. نعم هم يسمون هذه الحالة تجوزاً غيبوبة وذهولاً وفناء، ولكنها على الحقيقة في زعمهم وعي بما وراء الحُجُب!!.. ومَن خُبِل بهذه الحالة أو بادعائها فلا تطمع منه بإصغاءة فكرية أو عاطفية؛ لأن المِقْوَد في يد دعوى حالة الوعي!!.. فإن قلت لهؤلاء المجاذيب: (لا تحرمونا من بركاتكم ولو بالتفسير!!): أشفقوا من الحرمان أو العقاب وقالوا بلسان شاعرهم صريع الجنون وقتيل العدالة أبي الفتوح يحيى بن حبش السهروردي:
بالسر إن باحوا تُباح دماؤهم
وكذا دماء البائحين تباح
وإذا همُ كتموا تحدث عنهمُ
عند الوشاة المدمع السفَّاح
ثم يعتذر عن بعض هفوات البوح:
لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى
كتمانهم فنما الغرام وباحوا
سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها
لما دروا أن السماح رباح
قال أبو عبدالرحمن: هذا مِن صميم مذهب (التَّقِيَّة)، والوعي الفكري الصحيح قبل الإيمان تجربة نفسية لما بعد الإيمان.. وإذا رأيت ساهياً لاهياً تخفق وثبات خطوه مع خفقات قلبه فذاك أسير العواطف لا يعترف بوعي ولا يصغي لفكر، وقاموس لغة هؤلاء الأحباب أعظمها من (ليتَ) وأخواتها، فإن تلمظوا بالذكريات فلغتهم (كان).. وبعكس هؤلاء صنف لا يعترفون بحالات الوعي، ويجحدون كل مطلب للعواطف، وهؤلاء هم عُبَّاد الفكر من الفلاسفة.. وما رأيت في حياتي قط أشد جفافاً من الفلاسفة الذين وأدوا في أنفسهم كل بشاشة للأريحية والمرح؛ فلعدم إيمانهم بالوعي تراهم مفرطين في حق التفكير الذي يدَّعون سِدانته؛ لأن معارفهم مجرد ترديد لوقائع حسية، وليست إيجابيات فكرية ولَّدتها الوقائع؛ ولحيفهم على عواطفهم تراهم يروضون سلوكهم على مثاليات فكرية جافة لا بهجة وراءها، وفتِّش كيفما شئت فلن تجد فيلسوفاً حقيقياً يتمتع بكبير ظرف.. والخُلق السوي، والسلوك السوي، والمعرفة السوية تجدها عند قلائل أحكموا الاتزان بين تلك القوى الثلاث (التفكير والوعي والعاطفة)؛ فلم يتيحوا لطرف منها أن يشكو الضيم والحيف من تسلط الطرف الآخر؛ فإن عبثوا بعواطفهم وجدته عبثاً يبتسم له الفكر، وإن أخذوا بعزائم الفكر وجدت ذلك في جذل من العاطفة.. ولا يعدم هؤلاء لحظات من الوعي والإشراقة تتأتَّى لهم من إيمانهم إن كانوا أتقياء، وتتأتَّى لهم نِذارة من قوى الغيب إن كانوا أشقياء؛ فيغمرهم معارف لا بأس أن يسموها مشاعر؛ لأنهم لم يكتسبوها بتفكير.. وبعضهم يُسمِّي ما تأتَّى في تلك اللحظات بالحاسة السادسة.. إن معيار السَّوِيَّة في معرفة هؤلاء يتأتَّى من حسن التنظيم بين تلك القوى الثلاث، وذلك الحسن ناتج عن إدراك أن ما يسمى معرفة حقيقة هو قناعة القلب الذي يسميه أرسطو (عاصمة الجسد)، وأصدق منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علق الجسد بصلاح القلب، وأما ملكات العقل ونوافذ الحس فإنما هي وسائل لتحصيل المعرفة وتنظيمها واستذكارها وقياسها، والذي يحدد سلوك الإنسان ويسيِّره صحةُ المعرفة وصدقها.. والدور الجوهري الأول الذي لا يملكه غير القلب أن القلب محل إضمار النية واصطفائها لم يجعل الله أي سلطان لأي أحد على قلب الفرد بحيث ينوي ما يشاء؛ ولهذا جعل الله أحكام فعل الجوارح تابعة لنوايا [والنوايا صحيحة؛ لأنها جمع نَوِيَّة كطوية] القلوب؛ ولهذا أيضاً ما ساءت المعرفة بين المختلفين إلا لفساد في نية القلب؛ فحصل العناد والمغالطة والشغب والتضليل والانقسام؛ ولو صدقت النوايا [هي صحيحة كما مر وأدل على الكثرة] لكان الاختلاف مرحوماً محصوراً؛ إذن لن تَقَرَّ المعرفةُ الصحيحة في قلب غير صادق.. والدور الجوهري الثاني للقلب أنه مستقر المعرفة؛ فما كان معرفة بالنسبة للفرد (سواء أكان معرفة صحيحة في الواقع، أم معرفة وهمية باطلة) لا يكون معرفة بالنسبة للفرد حتى يكون عاطفة في القلب (أي عقيدة)، وكل معرفة لا تكون عقيدة في القلب فإنما هي عبث فكري!.. ولهذا يُخاف من المعتقَد إذا عشَّش في القلب ألا يكون متكوِّناً أصلاً عن صدق نية أو صحة فكر، ومن يُهان معتقده بتنديد أو جحدان يفور دمه وتنتفخ أوداجه، وهذا أكبر دليل على صلة القلب بالمعرفة!.. وليس كذلك الفيلسوف؛ فقلما حضن الفيلسوف معرفته بانفعاله؛ لأن فكره لم يتحوَّل إلى عقيدة في قلبه، ولأن مدافعته الوقائع الظاهرة بالاحتمالات المرسلة عوَّدته استعمال (لا) النافية للجنس في كثير من حواره، ومن كانت معطياته أجوبة (لا) النافية فلن تقرَّ في قلبه عقيدة.. والإيمان الجازم القاطع بأن الوعي خلق الله، وأن العواطف خلق الله، وأن العقل خلق الله، وأن العصمة ليست مفترضة لأحد، وأن هذه القوى ليست لواحد دون الآخر من العقلاء؛ فإذن لا بد من معلِّم وهادٍ يعصم العقل من الضلال، ويُشيع التآلف بين العواطف، وذلك المعلِّم والهادي هو وحي الله سبحانه وتعالى وشرائعه؛ لأن خالق تلك القوى هو مُنزِّل الشرع، وهو خالق الكون ومرتِّبه، وهو مرتب مدارك المعرفة التي لا تصح إلا بالاتساق مع رتب الكون ومطالب الإنسان روحاً وجسداً؛ فراحة القلب مصداق لصحة البرهان، واضطراب العواطف وقلقها باعث لإيجابيات الفكر وعزائمه، ومع حتمية الفكر وإيجابياته تكون راحة القلب ويقينه!.. ولو هُدي كل الناس لهداية الشرع للعقل لكان على كل فرد أن يحذق أحكام التكليف التي شرعها خالق الفكر والوعي والعواطف، وهي المباح والواجب والمستحب والحرام والمكروه؛ فيطلق القلبَ والروح ورغائب الجسد مع كل مباح ومستحب وواجب، وينعم بتوثُّباتها في هذا المجال، ويحبس نزواتها في الحرام والمكروه؛ فإن هناك ضوابط عقلية وتجريبية للنوازع، وتعويضاً أرجح لما كوَّنته العادة والممارسة لشرٍّ خالص، أو شرِّ لا نفع فيه، أو فيه نفع لا قيمة له بالمعادلة كالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما.. والمؤمن يستعين بالله ثم باستحياء تأنيب الضمير وتقريع النفس في الحالات التي يتيه فيها عن رشده؛ وبهذا يجد نفسه في عصمة من دينه، ومنعةٍ من تفكيره، وبحبحة من وجدانه؛ فلا هو ينسك نسكاً أعجمياً متزمتاً، ولا هو ينسلخ انسلاخ الظرفاء الذين يُضحكون جليسهم وشيطانهم، ويبكون في أعماق قلوبهم، ولبئس والله ما أضحك المَريد، وهو اللعين الرجيم!!.. وحينما تهتز رقعة من المعمورة بزلزال ربما حصل على آثاره خسف، أو من قَذْفٍ من بركان هائج، أو فاجأ السابلة ثلوج تغمر الأرض وتسد منافذ النفَس ثم تُستخرج الضحايا كما تُستخرج من أنقاض الهدم، أو يمتد خيط سماء من ماء، أو نزوة من بحر، أو نَفَس من ريح؛ فيتساقط البشر كما يتساقط الذباب مع المبيد، أو يتسلط جند من جند الله من وحش أو طير أو حشرات أو بعوض ضعيف.. حينما يحصل شيءمن ذلك خارجاً على مألوف العادة فإن المفَسِّرين من كفار الشرق والغرب يستقبلون عدسة المصور الصحفي، ثم يفيضون في التفسير فيقولون: (إنما حدث هذا الزلزال لتصدع تحت البحر الأحمر!!)؛ وإنما انهالت هذه الطيور لأنها هاجرت جماعياً من موطنها من إحدى الجزر بعد أن فوجئت بالجوع، وإنما حصلت هذه الأطباق لعبة من الكبار، وإنما رؤيتك تلك الأناسي الغريبة لأن الكواكب الأخرى مسكونة بمخلوقات مثلنا، وإنما وإنما.. إلخ.. نعم هذا تعليل إن صح فإنما هو تفسير للحدث بعد حصوله، ولكن كيف حصل السبب الذي نتج عنه الحدث، ولماذا ؟!.. مهما تطلَّبتَ عند ملاحدة حواة الثقافة الشعبية من العلم الحديث وغِمار الأمم فلن تجد إلا تفسير الأحداث بما أذن الله باكتشافه من قوانين كونية، وأما مفاجآت الله القدرية وعنايته الإلهيه، وأما العلة الغائبة (أو حكمة الخالق سبحانه) فلا تلوب ببالهم، وإن خطرت لهم استعاذوا منها كما يستعيذ المؤمنون من الوسواس الخناس.. ولو كانت حياة المؤمن تسمح بإضاعة الوقت في الجدل لمدَّ لهم المسلم نَفسَ الحوار ولقال: ((هبوا أن الزلزال لتصدُّعٍ تحت قشرة البحر الفلاني، ولكن لماذا حصل هذا التصدع ؟)).. وكلما ذكروا سبباً طلبت سببه حتى تنتهي إلى علة كافية.. وتسألهم - وتترك الإجابة لأمانتهم العلمية -: إذا صح عندكم أن جمهرة المشاهدة دلت على اقتران الحوادث بأسباب مادية أذن الله باكتشافها فاصدقونا الخبر من مذخور مشاهدتكم ومأثور تاريخكم: ألم توجد أسباب تخلفت عنها نتائجها مع تخلف المانع الذي لم يُعلم بعدُ ؟.. فإن صدقوا فلابد من أن يَفيئوا إلى الاعتراف بمسبِّب الأسباب سبحانه الذي أجرى ناموس الكون بنتائج تتبع أسبابها، ثم خرق الناموس كما شاء (تخويفاً أو تبشيراً أو اعتباراً)؛ فأجرى أحداثاً بلا أسباب يعرفها البشر، ومنع النتائج مع وجود أسباب يعرفها البشر، وتخلُّفِ موانع يعرفها البشر أيضاً!!.. ولست أنكر الاقتصار على التعليلات المادية في وسائل الإعلام الأجنبي الكافرة؛ لأن الكافر يَطْرُد أصله.. وإنما إشفاقي من إعلاميِّي بلاد العرب والمسلمين إذا نفخوا في نفس البوق، وتقنَّعوا حياءً من أن يعلنوا جوهر إيمانهم، واضطرَّهم هذا الحياء الذليل إلى تناسي آيات الله التي يرسلها تخويفاً أو تبشيراً، وكأن هؤلاء الضعفاء لما علموا شيئاً من ظاهر الحياة الدنيا - وهو ما اكتشفوه من قوانين الطبيعة وعناصرها -: خلقوا القوانين وعناصرها!!.. إن ما اكتشفوه مِن قوانين لا يملكونه، بل يملكه خالقه؛ فيجربه كما هو، أو يصرفه عن مجرى العادة.. كأنهم إن صح أنهم عرفوا سبب الزلزال ملكوا السلامة منه والسيطرة عليه!.. وما أسرعهم إلى نسيان ما عرفوه، وهو أن قوة من في الأرض كلها وقوة البشر وحيلهم لا تصمد أمام أضعف جند يسلطه الله وإن كان بعوضاً.. وأما المؤمن الناسي فنذكِّره بأن الكرة الأرضية موكَّل بها ملائكة كرام شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهكذا كل أجزاء كون الله الفسيح الفسيح، وكون الله كله ومن فيه محكوم بكلمة الله (كن) الصادرة عن تقديره ومشيئته وخلقه وإقداره؛ فلا يكون في كون الله إلا ما أراد الله؛ وبهذا على المؤمن أن يتحرر من وثنية الخوف من القنبلة النووية وقوة الدول العظمى وما أشبه ذلك من خرافات جرحت قلوب الدهماء جرحاً لا يبلسمه إلا الإيمان الحقيقي العملي بمن قال وهو الله جل جلاله {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} [سورة النازعات /27].. إنه حقيق بالمثقف المسلم المعاصر إن خطر بباله أنه علم أو رأى من اكتشاف العلم الحديث ما غبي على أذكياء وأتقياء القرون الممدوحة أن يتفكر فيما علمه أو رآه من جديد العلم الحديث؛ فيعلم أولا أنه لم يخلق نفسه، وأن حدة نشاطه محصورة بين رحمة المهد ووحشة اللحد ورغائب جسده وضروراته، وأنه يعلم اليوم ما جهله بالأمس، وينسى غداً ما علمه اليوم، وأن أبرع الخلق مهما كانت فاعليته يضيف شيئاً يسيراً جداً إلى عمل أبناء جيله وخبرة جميع الأجيال، وأنه يتعلم من غيره أكثر مما يتعلمون منه، وأن غاية جهد البشر أن يكتشفوا ظاهراً بسيطاً جداً من حقائق الكون؛ فهم يحاولون اكتشاف شيءمن الحقيقة ولا يقدرون على خلق شيء من الحقيقة؛ وما صنعوه من مادة فهو في الحقيقة اكتشاف شيءم ن المصنوع قبل أن يُخلقوا هم أنفسُهم؛ فهم لم يخلقوا النار والتراب والماء والحديد والهواء والدم.. إلخ، وإنما ركَّبوا شيئاً من صنع الله وفق القوانين التي خلقها الله.. وهذه الظاهرة المشاهدة المحسوسة أخبرنا عنها خالق الحقيقة في أكثر من موضع.. قال تعالى:{فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ} [سورة الصافات /11]، فهذا تنبيه إلى تصوُّر عام؛ وقال: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الرعد /16]؛ فأي عنصر في مصنوعات البشر لم يجدوه مخلوقاً قبلهم ؟!.. ولهذا قال تعالى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [سورة طه / 50]؛ فعملهم خلق لله جديد، وكل اختراع كبر أو صغر فهو هداية من الخالق إلى شيء من قوانين خلقه؛ وقال تعالى مستهزئاً بعباده كوناً (وهم المشركون عبيد القهر والإذلال): {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}[سورة الرعد/16].
قال أبو عبد الرحمن: والله ما جرأ على هذه الدعوى أحذق علماء هذا العصر؛ فهم وما صنعوا رهن لأقدار الله، وما أبعدهم عن هذه الدعوى وكرتهم الأرضية التي هي خلق الله ذرة تائهة في هذا الكون الفسيح باعترافهم؛ ومادة المصنوعات البشرية التافهة ظاهر يسير من صنع الله، وإنما وُجِدت الدعاوى الكبيرة من حواة ثقافة العلم المادي الشعبية، وليسو من علماء المادة، وقد نبَّه الله إلى حقيقة ما أسلفته بقوله:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة /29].. والمخاطبون أنفسهم داخلون في مدلول قوله تعالى: {َقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [سورة المائدة /18].. وميَّز الله الإنسان بصفة العناد والمكابرة في قوله:{خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [سورة النحل / 4].. إن البشر يصنعون مادة من مادة تركيباً ولم تنفد الجبال التي ينحتون منها، ولا الرمال والجبال التي يصنعون منها؛ ذلك أن الله يزيد في الخلق ما يشاء وكل شيء عنده بمقدار، وهو القائل جل شأنه:{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُوراً}[سورة الإسراء /99].. بلى والله، وكل تبجُّحٍ من حُواة الثقافة الشعبية للعلم الحديث بدعوى الخلق أو مضاهاته محجوجة مخصومة بقوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [سورة لقمان / 11]، وهو محجوج بالتحدي بغيب الله الذي لا يصل إليه أحد من خلقه مما استأثر بعلمه كما في آخر قوله جل جلاله: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [سورة يس / 36].. واحتكام المسلم إلى خبر ربه إنما هو احتكام من يعلم أن خبر خالق الحقيقة أصدق وأعلم من توجُّس من يحاول اكتشافها.. قال تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الملك / 14].. وهذا المتوجِّس هو المعنيُّ بقوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [سورة مريم / 9].. ألا فليذكر الملاحدة ما قبل المهد وما بعد اللحد.. {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} [سورة النحل / 70]، وليعلموا أن في مأثور تاريخهم وواقع مشاهدتهم مصداق قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً}[سورة الإنسان / 28] وقوله: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ}[سورة الشعراء / 184].. وهكذا إذا أُسند الفعلُ إلى لمخلوقين فإنما يراد به التركيب والاكتشاف من شيء لم يخلقوه كقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [سورة الصافات /96]، وكل ما عمله الخلق - وهو بهداية الله - فليس ببدعٍ في كون الله، بل هو مثال ومن مادة مخلوقة؛ وأما حقيقة الخلق فهي لله سبحانه.. قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً} [سورة فاطر /40]؛ فهذا إنكار، ومثله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [سورة الطور /35] وقوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأعراف /54] وقوله:{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [سورة يونس / 34] وقوله: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[سورة لقمان / 11] وليتأمل الناس قول ربهم:{قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}[سورة الرعد /16] وقوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [سورة الزمر /62] فههنا مع الخلق قهر وهيمنة، وهؤلاء المساكين لا يدفعون عن أنفسهم القلق والخوف والحزن والمرض والهرم والسهو.. ناهيك عن الموت المُحَتَّم في أجل محدود.. لقد قامت الحجة على الكافر والمؤمن، ولن يهلك على الله غير هالك، وما أحرى أدباء العصر الحديث وصحفييهم وكتابهم وفنَّانيهم بالبراءة الجادة من عبث العلمانية - أعني علمانية التعبير التي هي من ظاهرات الأدب الحديث -، وتحقيق معنى العبودية لله، والاستعلاء على حيرة أنصاف المثقفين الذين ندَّ عنهم بصيرة المؤمن العامي وبصر العالم المادي الذي عرف الله ولم يعبده؛ فكان من أصحاب الإيمان بالربوبية وحسب.. جعلنا الله هداة مهتدين، والله المستعان.