Al Jazirah NewsPaper Friday  02/07/2010 G Issue 13791
الجمعة 20 رجب 1431   العدد  13791
 
قصتان قصيرتان
نهار عبدالله

 

العقل

بعد أن عاش أجواء المراقبة في كل مكان، وبات يستاء من نظرات الجميع.. الجميع حتى المقربين من رفاق دربه وخلانه، بسبب مراقبتهم المستمرة له من الفضوليين والجهلة بعيونهم القبيحة.

كانوا يرصدون أدق تفاصيل حياته، ليعبثوا بها خوفاً من نجاحاته المتواصلة.. معتقدين أنه سيسرق آمالاً وأحلاماً وطموحات كانت معلقة بهم تنتظر التنفيذ على حساب تهميش الاخرين.

اشتدت أساليب الرصد والتجسس يوماً بعد آخر حتى وصلت الحالة الى مراقبة ومحاولة التدخل بحياته العاطفية الخاصة مع محاولات بائسة رخيصة لهدم تلك العلاقة وزعزعة ذلك الحب الأزلي الذي يعيشه مع من يحب و تلك العاطفة الخالدة الخضراء في صميم قلبه.

لم يفكر بردع ذلك الفضول الذي بدأ يغير مسار حياته، بل يهدمها ويحطمها حد الضياع والاندثار.

كان على يقين أنه أكبر بكثير من كل تلك الضغوط.. وفضل الابتعاد عن مبدأ الحرب والاصطدام.. كان يؤمن بأن كل حرب مهما كانت نتائجها سلبية لأنها ستسبب خسارة.. لذلك لا يود أن يجازف بخسارة نفسه ولا يجد رغبة بوضعه تحت خيمة الحرب.

استخدم ذهنه وسيلة للخلاص.. ذلك أنه وجد في العقل سلاحاً لا يمكن مقارنته بغيره من الأسلحة مهما كانت شدتها وقوتها.

حرب على صعيد الذاكرة والفكر الدقيق حيث عاش لحظاته لحظة بلحظة مترقباً الاحداث كنشرة موجزة.

تأكد من ذاكرته كونه الرابح الأكبر الذي كان يبث الحيرة بوجه كل من عاداه، مثلما تأكد من نصره من دون إراقة نقطة دم واحدة ومن دون الحاجة للجوء إلى وسائل العنف.

قرر رفع لافتات وشعارات، غصت بها شوارع العاصمة، وقد كُتب عليها:

نوبل يكفر عن ذنبه ويمنح العقل جائزة السلام

قانون السكوت

تعرض للظلم والأسى والإقصاء عن ذلك العالم المشوّه الذي كان يفيض زيفاً ويتلذذ بطعم الكذب.

لم يتمكن من الانضمام إلى الواقع مما جعله ساكناً يعاني من العزلة والفراغ.

سَنّ لنفسه قانوناً خاصاً بعد أن وجد غياب المعنى وعدم جدوى الكلام فأصدر قانون السكوت والذي ينص على إعدام الكلمات الصادقة وتكسير الاقلام الحرة وحرق الأوراق البيضاء لأنها غير كافية للوصول إلى الحقيقة، وحكم على الهمس بالسجن المؤبد بوصفه لا يعبر إلا عن النفاق والدجل.. وقرر قطع كل أصابع الاشارة لأنها كانت تثير جدلاً غير منطقي كان يهدف إلى الفوضى وإلغاء الأزمنة أما التعبير بالعيون فقد أقصاه إلى المجهول.

نفذ القانون على نفسه غير آسف على قطع لسانه ورميه في سلة المهملات وإقفال الشفاه بلاصق أسود، مدعياً أن السكوت قانون جديد يوفر ويكفل له حق المواطن بحياة مترفة هادئة خالية من الانفعالات والتوتر.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد