Al Jazirah NewsPaper Sunday  04/07/2010 G Issue 13793
الأحد 22 رجب 1431   العدد  13793

«فن الإشادة بأدب الغير» هل افتقده شعراء المرحلة..!!

كتب - سعود البديري

لا يمكن أن تتحكم العاطفة في إدارة كنترول ذائقة المبدع، ولا يمكن أن يطلق أراءه جزافاً أو تملّقاً لأنه ببساطة يدرك ماهية الإبداع، ودائما مانسمع بالمثل الشعبي (اللي مايعرف الصقر يشويه) وهذا ليس مجرد مثل شعبي يتداوله العامة من الناس لكنّه يأتي تعزيزاً لنظريات وأسس وقواعد اعتمدها العلماء على تنوّع تخصصاتهم وخاصة في علم الاجتماع والفلسفة والنظريات البشرية وهو يأتي أيضاً مكمّلاً لمثل أو قول مأثور هو (الناس أعداء ماجهلوا) هذه الأمثال لمن ليس لديه علم كافي للحكم على الشيء أو إعطاء انطباع شخصي عنه.. لكن من يدرك هذا الشيء ويعرف حقيقته وماهيته هو بالحقيقة مبدع ويستطيع أن يتعامل مع معطيات المادة أياّ كانت على غرار المثل الدارج (عط الخبّاز خبزك لو أكل نصه) من باب أن من يمتلك مفاتيح المعرفة قادر على صياغة الرأي النموذجي السليم الذي يتطابق مع نظريات واسس علوم هذه المادة، والمبدع في مجاله يستدلّ بآرائه وذائقته أياًّ كانت ومن المظاهر والعلامات الدالّة على الإبداع في مجال الشعر (الإشادة بأدب الغير) وهي في الأساس حركة نقدية غير مباشرة، وهذه الإشادة لا يمكن أن يطلقها المبدع «مجاملةً لشاعر ما» أو لمعرفة هذا الشاعر ولقربه منه وهذا يطلّق عليه أهل البادية (عدّ النور) ومن أشهرها وأقواها أبيات للفارس الشيخ/ جهز بن شرار:

ما أذمهم والله رقيب عليّه

معيٍّ الله.. والخلايق معيين

و(عدّ النور) و(الإشادة بأدب الغير) لها دلالات عظمى ولها تأثير كبير في ساحة الشعر، وهذه الإشادة لها ضوابط ومعطيات دقيقة ولذلك ليس عدلاً أن يستدّل بشهادة شاعر مبتدئ أو من عامة الناس لمجرد إشادته بشاعر علم لأنها (إشادة لا تلفت الانتباه).. وعدّ النور.. أو الإشادة لها أشكال متنوعة ومختلفة أبرزها الإشادة على طريقة (المجاراة) لا (الرديّة).. والمجاراة ليس من الضروري أن تأتي لخصم أو لتوضيح حول مضمون القصيدة، لكنها في النهاية (تفاعل ثقافي) و(إعجاب وإشادة وإقرار) بالنهج الأدبي الذي نهجه الشاعر سواء من خلال الموضوع أو الهدف الذي تدور حوله القصيدة أو من خلال البحر أو القافية التي كتب عليها الشاعر..

وتجدّ أن أكثر الأشخاص فرحاً وسعادة بالأطروحات الإبداعية الرائعة هم (المبدعون أنفسهم).. ولا يقرأ لهم سوى من يمتلك (ذائقة فاخرة) تستوعب هذا الإبداع وتتشربه داخل أعماقها.. وقد يوفق شاعر مبتدئ بكتابة نصّ رائع للغاية ويجني من ورائه اتصالات من رموز ومبدعين ومعروفين بالساحة دون سابق معرفة وهذا مانسمع به كثيراً.. فهذه.. ياسادة.. من أخلاقيات العرب وشعرائهم المبدعين...

ومن المؤسف أن ينظر البعض من الشعراء النجوم (متوسطي الإبداع) أن الإشادة بشاعر غير معروف إعلامياً لا تتلاءم مع (برستيجه الإعلامي)...!! ولدّي نماذج مضيئة عزيزي القارئ من (تفاعلات الإبداع) فمهندس الكلمة الأمير بدر بن عبدالمحسن تطرّق لشاعر قديم غير معاصر في إضاءة أدبية لا مثيل لها في التعاطي مع ثقافة شاعر بدوي يمتلك مقومات الإبداع ويدرك تفاصيلها ومكنوناتها الدقيقة على طبيعته البشريّة و(البدر) يسترجع بذاكرته الشعرية إطراءً من الشعر ولأجله حيث يقول:

بيض الردون..

يبني السراب خيامها.

وسط الخلا واقدامها..

تنبت عشب وتمطر غمام

لامن لمحت آثارها..

يطري علي عشق الخلا

وقصيدةٍ ((لبن غيام))..

في حومة العقبان

في الأزرق.. الأزرق..

شمس الضحى جمره

شفت الندى يعرق في وجنة النوار

أمّا الشاعر المبدع غازي بن عون فهو شاعر ولديه مساجلات تعتبر قمم شعرية شامخة أتذكّر أنه تفاعل مع قصيدة حازت على إعجاب الكثيرين وتم تداولها على نطاق واسع واستطاع شاعرها المبدع/ عبدالله بن زويبن أن يدير بوصلة الإعلام الشعبي باتجاه روائعه وجواهره الشعرية فهو شاعر يكتب للشعر والشعر فقط وما أحب شعره إلا (شاعر مبدع على حدّه)..!!

يقول عبدالله بن زويبن:

سمعت لي كلمةً مدري وش أقصاها

حزت بصدري وانا ماني بهارجها

لو كل كلمه الى جتنا تبعناها

بعنا الثمينة بسعر ما يخارجها

لو مرت السمع ما كنا سمعناها

ونقفل الراس عنها لايبرمجها

فجاءت مجاراة (غازي بن عون) الذي أطلق مسمّى (الدرّة)على قصيدة ابن زويبن:

يابن زويبن بعصر العلم والذرة

أنتجت لك درةً يصعب مجاراها

مابه حدِ في مجارى ركبها شره

ومن فزّ يبرالها ماهوب وياها

من حسنها اليعربي سميتها الدرة

تليق بأسمِ يليق ابها ويزهاها

الشاعر الكبير سعد بن جدلان (أسطورة الشعر) في عصرنا الحالي قام بالإشادة بقصيدة لسمو الأمير عبدالعزيز بن تركي بن سعود الكبير.

قد وجهها آنذاك في مدح شبل (الفهد) رحمه الله صاحب الأيادي البيضاء صاحب السمو الملكي الأمير/ عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود أتذّكر منها:

هيجنت بين الحنايا وابهلت مثل السحايب

واستحلت عرش كسرى والأصول اليعربية

وقفت مثل الشجاع وزرفلت مثل الركايب

ترسم الصمان طيب وتتجه للعاذرية

صوب شيخٍ ما تشيّخ كود في فك النوايب

راسي لحمول نجد بهمّة النفس الأبية

فقال ابن جدلان:

شقّت الساحه طموح المجد متعبة النجايب

الطموح الماجدي ساق الخلوج الماجدية

حتى قال:

عانقت عبدالعزيز الفهد حّلال النشايب

ملحمة عبد العزيز الكبير العالمية

أمّا الشاعر الهادئ خلقاً والمتفجّر شعراً الشاعر (مدغم أبو شيبه) فله قصيدة غزلية رائعة لاقت إعجاب الكثيرين وعلى رأسهم الشاعر/ ضيدان بن قضعان يقول أبو شيبه:

للحزن ساحاتٍ بصدري مثل ساحات القتال

فيها الاصيل من المهار تعوّد بخيالها

راحت عسى الله ما يلحقني مشاريه الرجال

تقول كنّي ماخلقت من التراب الاّ لها

حتى قال:

قولولها لاستخسرت فيني ريالين اتصال

تهدي على (جمعية الصم البكم) جوالها

فجاءت المجاراة إعجاباً وخلقاً رفيعاً في الشعر من ابن قضعان:

عزّ الله أنّي مبطيٍ ما أوحيت من غرّ الجزال

قصيدةٍ تبري خوى راسي واقوم ابرالها

ولم يخف إعجابه الشديد بهذا الطرق الشعري الذي انتهجه (أبو شيبه) إلى أن قال:

أنا اشهد أنّه صاغ له من هاي هاي وعال عال

قصيدةٍ تسوى دواوين (الربَيَع) الحالها

قصيدةٍ دشت مزاجي غصب مافيها جدال

تقول أنا من رتب اللولو على سلسالها

الشاهد في إيراد هذه النماذج أن الإبداع له درجات وأعلى درجاته مرتبة الإعجاب والاطلاع والإشادة بأدب الغير فهذه ليست مجرد أخلاقيات ومثل اجتماعية فساحة الشعر ليست شبيهة بمدينة «أفلاطون» الخيالية وبالرغم من ذلك لسنا قادرين على عمل ساحة نموذجية لكن الشهادة بالأفضلية والتميّز للغير تأتي مكمّلاً رئيسياً للإبداع، ومسألة «شوفة النفس» والإعجاب بالذات والانغلاق الفكري وعدم الاطلاّع على ما لدى الغير يؤدي بالنهاية لنهاية الشاعر..

فنحن للأسف بدأناً نقرأ مؤخراً نصوص تتسمّ «بالغرور» رغم تحفظي الشديد على اطلاق المسمّى الدارج لهؤلاء.. لكنني أقرأ أحياناً لشاعر يقول:

«أنا المتنبي.. أنا... وأنا..... إلخ...!!»..ولا يمكن أن يندرج هذا تحت مسمّى «الفخر والاعتزاز بالذات» لأنه مبالغ فيه ومجانب للصحّة لأنك لم تطلّع على ما لدى الغير كي تقيّم نفسك.. وكما أن المدح إذا كان في غير محلّه «هجاءً» للممدوح فإن الفخر الزائد عن حدّه نقصاً في ذات «المفتخر به»..!! وهذه نظرية أدبيّة.. حتى لو خلّدت في دواوين الفخر والمدح..!! فثقافة الاطلاّع توجد لدى الشاعر عنصرين رئيسين: الأول غذاء ونماء لفكرة والثاني هدوء يحددّ مركزه الشعري بين الشعراء ويمنحه الإبداع ويحفزّه على الاستمرار لا التوّقف.. والنضوب..!!

 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد