Al Jazirah NewsPaper Friday  09/07/2010 G Issue 13798
الجمعة 27 رجب 1431   العدد  13798
 
آداب حملة القرآن الكريم
معالي د. عبدالله بن محمد آل الشيخ *

 

إنَّ من أعظم النعم التي أنعم الله بها علينا إنزال القرآن الذي جعله الله ربيع قلوب أهل البصائر والإيمان؛ فهو كما وصفه الله روح تحيا به القلوب {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} الشورى:52, وهو نور تشرق به أفئدة المسلمين {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّه نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِه اللّه مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَه سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِه وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } المائدة:16.15،

إنَّ كتاباً بهذه المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة لحقيق بقارئيه ومتعلميه - فضلاً عن حامليه - أن يكونوا متأدبين بأدبه متحلين بخلقه, فقد كان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن, وبذلك تتحقق لهؤلاء الخيرية المنشودة والمكانة العظيمة المتمثلة في القُرب من المولى - عز وجل -, ففي حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله أهلين من الناس, قيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال أهل القرآن, هم أهل الله وخاصته» رواه الأمام أحمد.

ولعلنا نشير إلى شيء من هذه الآداب التي ينبغي لحامل القرآن أن يتحلى بها:

أولاً: الإخلاص وقصد رضا الله سبحانه وتعالى:

فأول ما ينبغي لحامل القرآن وقارئه ومتعلمه ومعلمه أن يقصد بذلك وجه الله والدار الآخرة, وأن يبتعد عن الرياء وحب الظهور, وألا يقصد به توصلاً إلى غرض من أغراض الدنيا, وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة أن أول مَنْ تُسَعَّر بهم النار يوم القيامة، وذكر منهم رجلا جمع القرآن ليقال فلان قارئ.

ثانياً: العمل بالقرآن الكريم:

إن العمل بما جاء به القرآن الكريم إنما هو ثمرة حفظه, فمن حفظ القرآن ولم يعمل به فقد أشبه اليهود الذين مثلهم الله بأقبح مثل في كتابه فقال:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه وَاللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (5) سورة الجمعة.

فاليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون, فالأولون تعلموا ولم يعملوا, والآخرون عملوا ولم يتعلموا.

ثالثاً: تعاهد القرآن بالمحافظة على تلاوته:

ينبغي على حامل القرآن أن يتعاهده بالإكثار من تلاوته فقد قال عليه الصلاة والسلام: «تعاهدوا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها» رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به» رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره, وإن لم يقم به نسيه» رواه مسلم.

ففي هذه الأحاديث دليل على أن من لم يتعاهد القرآن ذهب عنه، وفي ذلك الخسران الكبير.

رابعاً: ملازمة خشية الله ودوام مراقبته:

على حامل القرآن أن يتحلى بخشية الله ومراقبته في السر والعلن, سائراً إلى ربه بين الخوف والرجاء, فإنهما للمسلم كالجناحين للطائر.

عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لأعْلَمَنَّ أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً». قال ثوبان: يا رسول الله, صفهم لنا, جلَّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: «إنهم إخوانكم ومن جلدتكم, ويأخذون من الليل كما تأخذون, ولكنهم أقوام إذا خلو بمحارم الله انتهكوها».

فعليك أخي حامل القرآن بمراقبة الله وخشيته في سائر أمورك وجميع أحوالك, كيف لا وأنت تقرأ وتحفظ قول الله عز وجل: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْه رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ق:18.

خامساً: القدوة الحسنة:

ينبغي لحامل القرآن أن يجعل للقرآن تأثيراً عليه, من رآه يعلم أن القرآن أدَّبه وجمَّل أخلاقه, يكون محافظاً على شعائر الإسلام, مظهراً للسنة، ينشرها بالعمل بها والدعوة إليها, دالاً على الله بعلمه وسمته وعمله, متحلياً بآداب النفس من القناعة والزهد والعفاف والحلم والصبر, والهدي الصالح من دوام السكينة والوقار والخشوع والتواضع.

يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون, وبنهاره إذا الناس مفطرون, وبحزنه إذا الناس يفرحون, وببكائه إذا الناس يضحكون, وبصمته إذا الناس يخوضون, وبخشوعه إذا الناس يختالون» أخرجه أحمد.

سادساً: التزوُّد من العلم:

إنَّ الله تبارك وتعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة من العلم, فقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} طه: 114, قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن هذه الآية: «إنها واضحة الدلالة على فضل العلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم».

فينبغي على حامل القرآن ألا يتوقف عند حفظه للقرآن بل هو بحاجة إلى التزود من العلم, بحاجة إلى التزود من الفقه, بحاجة إلى التزود من السنة النبوية والعلوم الشرعية, قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» رواه أبو داود.

فحافظ القرآن مهما بلغ بحفظه للقرآن لن يبلغ الخيرية الكاملة حتى يتزود من العلم, قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» متفق عليه.

سابعاً: تعليم القرآن:

وأخيراً يا حامل القرآن كما تعلمت فَعلِّمْ, فقد قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».

ومن ثمار حفظ القرآن: بذله للناس, وهو من تبليغ العلم المأمور به في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بلّغوا عني ولو آية» رواه البخاري.

وإن أردت بركة القرآن ورسوخه فعليك بتعليمه للآخرين وبيانه لهم, ومثل الذي يتعلم القرآن ثم لا يُعلِّمه كمثل الذي يكنز الكنز ثم لا ينفق منه.

وفي الختام هنيئاً لك يا حامل القرآن؛ فقد عمرت قلبك بكلام الله، وأقبلت على مأدبته, نلت خيري الدنيا والآخرة, قال عليه الصلاة والسلام: «يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها» رواه الترمذي.

* رئيس مجلس الشورى - عضو هيئة كبار العلماء


 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد