الرياض - خاص بـ»الجزيرة»:
لقي قرار مجلس الوزراء الذي صدر مؤخراً بإنشاء - هيئة عامة للأوقاف - تتولى المسؤولية الكاملة عن كل ما يتعلق بالأوقاف من خطط، وسياسات، وأنظمة، واستثمارها على أسس اقتصادية، وبأساليب تجارية بقصد حفظها، وتنميتها، لقي صدى كبيراً لدى مختلف أوساط المجتمع، مؤملين أن يؤدي هذا القرار إلى تعظيم الاستفادة من الأوقاف وزيادة وتطوير إسهامها في خدمة المجتمع المسلم.. وعند استعراض تاريخ الوقف الإسلامي نجد أن وجوهه متعددة ولم يقتصر على جوانب معينة كما هو سائد في السنوات الماضية، بل إن الوقف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده والتابعين شمل كل ما يخدم الإنسان المسلم، ومن خلال الوثائق الوقفية يتضح تنوع مجالات الوقف في التاريخ الإسلامي بعضها لم يعد لها وجود في مجتمعاتنا اليوم، فأكثر الناس لا يعرفون من أنواع الوقف سوى بناء المساجد أو المحلات أو الوقف على الذرية، ولكن أنواع الوقف التي ظهرت في التاريخ الإسلامي كثيرة جداً فمن ذلك:(وقف الزواج، وقف الأيتام، وقف المساجين، وقف الحيوانات، وقف الحليب، وقف الحالات الخاصة، وقف الموتى، الوقف العسكري «المجاهدون الذين يحرسون بلاد الإسلام من كل عدوان»، الوقف الصحي، وغيرها كثير، فهذه الأنواع من الوقف غائبة عن مجتمعات المسلمين فكيف يمكن أن نصل بالوقف ليشمل جميع ما يتصل بخدمة المجتمع المسلم.
التوسع في الوقف
يقول د. عبدالرحمن بن عبدالله المشيقح - عضو مجلس الشورى: إن صدور قرار إنشاء هيئة عامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية يعد خطوة هامة في الاتجاه الصحيح فالدين الإسلامي الحنيف جعل للوقف شأنا وأهمية في مال المسلم حث عليه ورغب فيه لما في ذلك من المصالح العديدة والمتنوعة والذي يصل إلى ثلث ما يملكه المسلم كما ورد في الحديث الشريف وقد يزيد عن ذلك في بعض الحالات فإذا تصورنا المستوى الاقتصادي الذي تشهده المملكة والذي يزداد تعاظماً سنة بعد أخرى وما يفرزه ذلك من كثرة الأثرياء ورغبتهم في الاطمئنان على مصير أوقافهم وطرق وأنواع الاستفادة منها.
إن وجود هذه الهيئة سوف يشجع ويحفز على التوجه نحو التوسع في الوقف وزيادة حصصه ومجالاته. إن ما يحصل أحياناً من خلاف ونزاع بين الأقارب عند إدارة أوقافهم وتوزيع الريع يؤدي إلى تعطل الكثير من الأوقاف كما أدى ذلك إلى إحجام كثير من الناس عن وقف أموالهم خشية المصير المؤلم الذي حصل لبعض الأوقاف، كما أن ذلك سوف يشجع معظم الأفراد بما فيهم أصحاب المبالغ الصغيرة على التوجه بسخاء نحو الوقف خاصة عندما توجد صناديق متخصصة لكل مجال من مجالات خدمة المجتمع من بناء المساجد وبناء المستشفيات والمدارس والمنح التعليمية ومشاريع المياه والبحوث والدراسات وفي جميع المجالات التي توصي بها الهيئة الشرعية المشرفة على أعمال الهيئة.
لاشك أن وجود هيئة عامة للأوقاف سوف ترتفع بمستوى جودة الاستفادة من الوقف حيث سيناط بها كل ما يتعلق بالأوقاف من سياسات وخطط وأنظمة واستثمار وإدارة هذه الثروات على أسس اقتصادية وأساليب تجارية من أجل تنميتها وتنويع قنوات الصرف وتشجيع وتحفيز الناس على الوقف، خاصة إذا نظرنا إلى أن الوقف في المملكة ثروة هائلة وسوف تزداد مع وضوح الرؤية والإدارة السليمة وعندما يلمس المواطن فائدتها وأهميتها سوف يقبل على هذا الجانب لأن المسلم يدرك أنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له فهذه الهيئة سوف تدخل الطمأنينة إلى قلوب الموقفين فيزدادوا إنفاقاً على إنفاقهم وتعم الفائدة جميع أوجه الخير في بلادنا الغالية.
استثمار الأوقاف
ويرى د. عبداللطيف بن إبراهيم الحسين - أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بالأحساء أن الإسلام يتميز برعايته للفرد والمجتمع، وتحقيق التوازن في المصالح والعلاقات، بما يؤدي إلى إيجاد المجتمع المتعاون والمتماسك والمتكافل، والذي صبغته الإحسان والسخاء ومحبة الخير.. وقد حث الإسلام على بذل روح التعاون من أجل إيجاد مجتمع فاضل، يدفع الضرر عن أفراده، ويحافظ على الحياة الاجتماعية فيه.
هذا وإن من أعظم أبواب التعاون على البر والتقوى؛ الوقف أو الأوقاف الخيرية بشتى أنواعها فهي أبواب نفع مديد للمرء في حياته الدنيا والآخرة.. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (2) سورة المائدة.
ولأجل هذا تميزت العهود الإسلامية في قوة ازدهارها بتنوع الأوقاف، بحسب الحوائج الناشئة في المجتمع، وتحققت بها النماء الكثير للمجتمع، وكانت الأوقاف حجر الأساس الذي قامت عليه الأعمال الخيرية، والتاريخ الإسلامي حافل بالكثير من الأوقاف مثل: حلقات العلم، وبذل العون للفقراء، وابن السبيل ونحوهم، ومن هنا فلكل مشروع يقام وقف ينفق من دخله، ويكون ضماناً لاستمرار تشغيله وامتداد الأجر إلى قيام الساعة قال صلى الله عليه وسلم:(إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)رواه مسلم.
ومن الجوانب الخيرة التي تشهدها بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية - حرسها الله - وبارك في ولاة أمرها - ما صدر مؤخرا بإنشاء هيئة عامة للأوقاف وفق التنظيم المدني الحديث للمجتمع من خلال وضع خطط وسياسات وأنظمة واستثمارها على أسس اقتصادية، ولاشك أن مثل هذه النظرة الواسعة للأوقاف تمثل جانباً حضارياً ونقلة مباركة بصورة متفائلة في تنظيمها، واطمئنان الموقف على أن الوقف في أيدٍ قوية وأمينة في عملها، واستمرار جريان الوقف على أفضل استثمار، ولذا يجدر من أهل الخير والراغبين في الوقف تنويع أوقافهم، فهناك الوقف على: المستشفيات، وأماكن الرعاية لكبار السن المعوزين، ومراكز إكرام الموتى، ومساعدة المقدمين على النكاح ولا سيما الفتيات اليتيمات الفقيرات، وكذا مساعدة أهالي المساجين، والغارمين، وبذل العون لأصحاب المهن والحرف بإقامة أشبه بالمعاهد التدريبية وما فيها من الإسهام في علاج ما يسمى بالبطالة اليوم، ويلحق بالوقف أيضا؛ ما يوقف على المجاهدين الذين يحرسون البلاد من أيدي المعتدين أيا كانوا.
توسيع المصارف
ويؤكد د. عبدالرحمن بن سليمان المطرودي - وكيل وزارة الشؤون الإسلامية لشؤون الأوقاف، أن إنشاء الهيئة العامة للأوقاف بأمر سام كريم، وتوجيهات من ولاة الأمر - يحفظهم الله - إنما يأتي ترجمة عملية لذلك التوجه النبيل من ولاة الأمر في العناية، والاهتمام بشؤون الأوقاف، لكي يتم الانطلاق من خلال الهيئة إلى تحقيق تلك الغايات، والمقاصد الشرعية النبيلة، التي هدف إليها الشارع الحكيم، من خلال تشريع الوقف الذي يحقق خيري الفرد والمجتمع، وتحصيل خيري الدنيا والآخرة، وصولاً إلى غايات أعظم وفضائل أعمّ وأشمل، وهي تحقيق كفالة أفراد المجتمع بعضهم لبعض، وتعاونهم على البر والتقوى، وتماسكهم وترابطهم، وإعانة الفقراء والمساكين والمحتاجين منهم، وتنميةً وإعماراً للمجتمع المسلم، وتماسك بنيانه.
والآليات العملية لتحقيق تلك الغايات في جميع شؤون الوقف كثيرة ومتعددة، لكن أركز في هذه العجالة على ما يتعلق منها بالمصارف الحديثة لغلال الأوقاف، وعلى الآليات والوسائل المعينة على ذلك، وتوسيع مصارف الإنفاق من الغلال، لتواكب الاحتياجات الجديدة في المجتمع، وتلبي متطلباته، انطلاقاً من أن التشريعات الإسلامية كلها صالحة لكل زمان ومكان، من خلال ما كفل لها الخالق العظيم من عوامل ديمومتها، وصلاحيتها عبر القرون والأزمان، وفي كل الأماكن والأحوال، وقد أثبتت التجارب العملية للوقف عبر العصور الإسلامية المختلفة أن تشريع الوقف قد استوعب - بفضل الله - جميع المتغيرات والاحتياجات التي استحدثت في المجتمعات الإسلامية آنذاك، وواكبتها بما يكفل تلبية تلك الاحتياجات، انطلاقاً من ثبات الأصول الرئيسة في تشريع الوقف، ومرونة الوسائل والآليات والتطبيقات العملية على أرض الواقع.
وعليه فإن توسيع مصارف الوقف بما يكفل استيعاب كل مافيه خدمة الإسلام والمسلمين هو مطلب رئيس للوقف، وواجب شرعي على القائمين على شؤون الأوقاف، لكونه من عوامل تحقيق الغبطة لها، وعليهم - انطلاقاً من أمانة الولاية عليها - أن يقوموا بواجبها، وأن يأخذوا بكل الوسائل والآليات المعينة على ذلك من خلال تلمس احتياجات المجتمع في كل عصر ومصر، والسعي إلى تلبيتها، واستحداث المصارف اللازمة لاستيعابها وتحقيقها، وكذا تطويرها وتعديلها من وقت لآخر، بحسب الحال والمقام، وتبعاً للمتغيرات المتلاحقة في المجتمع، وضرورة وأهمية مواكبة تلك التطورات والمتغيرات بما يناسبها، والسعي إلى تلبيتها، وإيجاد الصيغ والآليات التي تستوعبها، بحكم ولايتهم عليها، وبحكم الأمانة العظيمة المنوطة في أعناقهم تجاهها، تحقيقاً وتنفيذاً لتوجيهات وتطلعات ولاة الأمر - يحفظهم الله - التي هدفوا إليها من إنشاء هيئة الأوقاف العامة، والعمل على تحقيق جميع المقاصد الشرعية للأوقاف - بإذن الله - من خلال هذه الهيئة.
ولعل الباب الأوسع لتنويع مصارف الأوقاف بما يلبي المتطلبات الجديدة في المجتمع، ويسد احتياجاته في هذا المجال، أن يتم تحقيق ذلك من خلال تنمية الأوقاف ذاتها، وذلك باستخدام طرق تنموية حديثة يتحقق من خلالها غبطة الوقف ومصلحته، إذ أن عدم تنمية الوقف واستثماره بمنهجية استثمارية تنموية حديثة يخل بمصلحة الوقف، ويجعل منه مآلاً غير نافع ومفيد للوقف، أما تنمية مصارف الأوقاف باستخدام طرق استثمارية تنموية حديثة من خلال منهجية استثمارية مدروسة ومتميزة، فإنها من أرحب الوسائل التي تؤدي إلى توسيع مصارف الوقف، وتحقيق الغبطة له، وللمجتمع.